Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

بعد إعادة انتخاب لولا دا سيلفا.. هل تعزز البرازيل دورها في دعم فلسطين؟

أعادت الانتخابات الرئاسية البرازيلية، التي منحت لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ولاية جديدة، تثبيت واحدة من أكثر حكومات أميركا اللاتينية انتقادا للسياسات الإسرائيلية ودعما لقيام دولة فلسطينية، في نتيجة تتجاوز تداعياتها الداخل البرازيلي إلى موقع أكبر دول المنطقة في الصراع الجيوسياسي والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأعلنت المحكمة الانتخابية العليا، الأحد، إعادة انتخاب لولا بعد حصوله على 64 مليونا و256 ألفا و232 صوتا، بما يعادل 51.79 بالمئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21 بالمئة لمنافسه فلافيو بولسونارو، الذي حصل على نحو 59.8 مليون صوت، ليتجه لولا إلى ولاية رئاسية رابعة غير متتالية.

وحظيت النتيجة باهتمام فلسطيني مباشر، إذ هنأ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لولا بإعادة انتخابه، مشيدا بمواقف البرازيل الداعمة للشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، ومعربا عن ثقته باستمرار هذه السياسة خلال الولاية الجديدة.

ويحمل ذلك أهمية خاصة بالنظر إلى الفارق الكبير بين المرشحين في ملف فلسطين، إذ تبنت حكومة لولا خلال السنوات الماضية موقفا شديد الانتقاد للحرب على قطاع غزة، فيما كان فلافيو بولسونارو يعد بإعادة بناء علاقة وثيقة مع الحكومة الإسرائيلية.

وكان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد دخل على خط الانتخابات بصورة علنية، إذ سجل رسالة مصورة عُرضت خلال إطلاق حملة فلافيو بولسونارو، ثم هنأه بعد تصدره الجولة الأولى وتمنى له “فوزا كبيرا” في جولة الإعادة، معلنا تطلعه إلى استعادة ما وصفه بـ”الصداقة الاستثنائية بين إسرائيل والبرازيل”.

“باتيستا”: فوز لولا يتجاوز حدود البرازيل

وفي قراءة لنتائج الانتخابات، قال الصحفي والمختص في العلاقات الدولية بيدرو سيزار باتيستا، عضو “الأمانة التنفيذية للجنة المناهضة للإمبريالية”، إن إعادة انتخاب لولا تحمل تأثيرا يتجاوز السياسة الداخلية إلى “الصراع الجيوسياسي العالمي”.

وأضاف باتيستا، في تصريحات خاصة لـ”قدس برس”، أن البرازيل لعبت منذ البداية دورا رئيسيا في بناء مجموعة “بريكس”، وأن استمرار لولا في الحكم يعزز الاتجاه البرازيلي نحو العمل متعدد الأطراف ودور دول الجنوب العالمي.

وتعد البرازيل من الدول المؤسسة لمسار “بريك”، الذي بدأت آلية التنسيق السياسي بين أعضائه عام 2006 وعقد أول اجتماع قمة عام 2009، قبل أن يتوسع لاحقا ليصبح “بريكس”، الذي تنظر إليه برازيليا باعتباره منصة لتعزيز التعاون بين الاقتصادات الناشئة وإصلاح نظام الحوكمة العالمي.

وقال باتيستا إن هزيمة فلافيو بولسونارو تمثل، من وجهة نظره، “هزيمة لدونالد ترمب ولسياسته الرامية إلى السيطرة على المنطقة”، معتبرا أن انتخاب لولا يضعف ما وصفه بمحور سياسي دولي يجمع قوى اليمين المتطرف.

وأضاف أن لولا بات، بعد الانتخابات، أمام فرصة لتعزيز مكانته “كقيادة دولية” في الدفاع عن التعددية ومواجهة ما وصفه بـ”الإمبريالية والفاشية والصهيونية”.

وتحمل هذه التوصيفات موقف باتيستا السياسي، في وقت أعلن فيه ترمب بعد الانتخابات أنه لم يؤيد رسميا أي مرشح، رغم العلاقات السياسية الوثيقة بين التيار البولسوناري ودوائر الإدارة الأمريكية.

وأفادت تقارير إعلامية عالمية، اليوم الجمعة، بأن إدارة ترمب لا تعتزم في الوقت الراهن دعم ادعاء فلافيو بولسونارو بأنه الفائز الحقيقي بالانتخابات.

فلسطين في قلب الولاية الجديدة

ويعتبر باتيستا أن القضية الفلسطينية ستكون من الملفات التي ستكشف مدى ترجمة خطاب لولا السياسي إلى خطوات عملية خلال ولايته الجديدة.

وقال إن “لولا كانت لديه دائما علاقة قريبة جدا من فلسطين”، مشيرا إلى مواقفه منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستخدامه توصيف “الإبادة الجماعية” بشأن العمليات الإسرائيلية في غزة.

وكان لولا قد قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن هجمات “حماس” ضد المدنيين “لا يمكن الدفاع عنها”، لكنه أكد في الوقت ذاته أن “لا شيء يبرر الإبادة الجماعية المستمرة في غزة”، وحذر من أن الشعب الفلسطيني معرض لخطر الاختفاء إذا لم يحصل على دولته المستقلة.

كما تتمسك السياسة الخارجية البرازيلية رسميا بحل الدولتين، على أساس دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة ضمن حدود عام 1967، تشمل قطاع غزة والضفة الغربية، وتكون “القدس الشرقية” عاصمتها، إلى جانب إسرائيل. وكانت البرازيل قد اعترفت رسميا بدولة فلسطين عام 2010.

ويرى باتيستا أن المرحلة المقبلة يجب أن تتجاوز التصريحات إلى إجراءات أكثر وضوحا، قائلا إن المطلوب هو أن “تعزز البرازيل دفاعها عن الدولة الفلسطينية الحرة وذات السيادة وأن تدعم بصورة فعلية نضال الشعب الفلسطيني”، على حد قوله.

ضغوط لقطع روابط اقتصادية وعسكرية

وفي الوقت نفسه، وجه باتيستا انتقادات إلى حكومة لولا بسبب استمرار بعض أوجه العلاقة الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل، رغم الخطاب السياسي المتشدد تجاه حرب غزة.

وقال إن تدفق النفط من البرازيل إلى إسرائيل استمر، كما أشار إلى استمرار بعض التعاملات المرتبطة بقطاع التسليح، معتبرا أن المطلوب في الولاية الجديدة هو ممارسة مزيد من الضغط لوقف العلاقات التي يمكن أن تستفيد منها الحكومة الإسرائيلية.

وأضاف أن حركات التضامن تنتظر من حكومة لولا “ألا ترسل مزيدا من النفط” إلى “إسرائيل”، وأن تحول دعمها السياسي للفلسطينيين إلى خطوات عملية، على حد قوله.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن العلاقات التجارية بين البلدين لم تتوقف، في حين سبق للحكومة البرازيلية أن اتخذت إجراءات تتعلق بتعليق أو مراجعة بعض الصفقات والمواد الدفاعية المرتبطة بـإسرائيل.

ويجعل ذلك العلاقة بين الخطاب السياسي والمصالح الاقتصادية والعسكرية أحد الملفات التي يتوقع أن تواجه حكومة لولا بشأنها ضغوطا من حركات التضامن مع فلسطين خلال الولاية الجديدة.

“نفوذ نتنياهو وترمب يتراجع”

ويرى باتيستا أن إعادة انتخاب لولا تقلص قدرة نتنياهو وترمب على التأثير في السياسة البرازيلية.

وقال: “بلا شك، انتخاب لولا يقلل من نفوذ نتنياهو ودونالد ترمب هنا في البرازيل”، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن التيار البولسوناري لا يزال “منظما ويمتلك قوة حقيقية” داخل المجتمع والمؤسسات.

ووصف باتيستا “البولسونارية” بأنها قاعدة لـ”الفاشية والصهيونية”، على حد قوله، مشددا على أن خسارتها انتخابات الرئاسة لا تعني اختفاء حضورها السياسي والاجتماعي.

وأضاف أن وسائل الإعلام الكبرى والمنصات الرقمية ستظل، وفق تقديره، إحدى ساحات الصراع السياسي والفكري في البلاد، قائلا إن قوى منظمة ستواصل “الترويج للإمبريالية والفاشية والصهيونية والنازية الجديدة”، على حد قوله.

انتخابات إسرائيل ومستقبل العلاقة

وتطرق باتيستا كذلك إلى التطورات السياسية والانتخابية داخل دولة الاحتلال، معتبرا أنها تعكس تراجعا للمشروع السياسي الذي يمثله نتنياهو.

وقال إنه ينبغي الانتظار لمعرفة كيفية تعامل أي قيادة إسرائيلية جديدة مع ملفات المنطقة، لكنه استبعد أن يؤدي تغيير الأشخاص وحده إلى تحول جوهري في الموقف من الفلسطينيين.

وأضاف أن “الكيان الصهيوني، سواء كان نتنياهو أو أي شخص آخر في قيادته، سيواصل الموقف نفسه تجاه الشعب الفلسطيني”، على حد قوله، رابطا ذلك بالاحتلال وبالسياسات الإسرائيلية الأوسع في المنطقة.

“بريكس” والأمم المتحدة

ويرى باتيستا أن استمرار لولا في الرئاسة يمنح البرازيل فرصة لاستخدام ثقلها داخل “بريكس” والأمم المتحدة للدفاع بصورة أكبر عن التعددية وعن القضية الفلسطينية.

وقال: “كما قلت في البداية، لولا أحد مؤسسي بريكس”، مضيفا أن الوزن الاقتصادي للبرازيل والثقل السياسي الذي اكتسبه الرئيس بعد الانتخابات يمنحانه تأثيرا كبيرا في المؤسسات متعددة الأطراف.

وتابع: “تأثير لولا في هذه المنظمات متعددة الأطراف، وخاصة الأمم المتحدة وبريكس، يجب أن يخدم البحث عن التعددية على المستوى العالمي”.

وكان لولا قد استخدم اجتماعات “بريكس” خلال السنوات الماضية لانتقاد العمليات الإسرائيلية، مؤكدا أن حل القضية الفلسطينية يتطلب إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

كما دعت البرازيل الدول التي لم تعترف بفلسطين إلى القيام بذلك، وطالبت بحصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.

وقال باتيستا إن لولا مطالب، من وجهة نظره، بأن يتحول بصورة أكبر إلى “قيادة عالمية” في مواجهة ما وصفه بـ”الإمبريالية والصهيونية والفاشية”، مضيفا أنه بعد هزيمة اليمين في الانتخابات البرازيلية بات أمامه دور أوسع خارج حدود البلاد.

علاقة لولا بالعالم العربي

أما بشأن مستقبل علاقات البرازيل بالعالم العربي، فقال باتيستا إن لولا يتبنى نهجا “براغماتيا جدا” يسمح له بالحفاظ على علاقات مع أطراف متباينة سياسيا.

لكنه اعتبر أن الولاية الجديدة يجب أن تشهد تقاربا أكبر مع الشعب الفلسطيني والدول والقوى التي تتبنى مواقف معارضة للسياسات الإسرائيلية.

وانتقد باتيستا عددا من الحكومات العربية بسبب مواقفها، فيما أشاد بإيران و”حزب الله” في لبنان، قائلا إنهما يتبنيان، على حد قوله، “موقفا ثابتا في الدفاع عن الشعب الفلسطيني ومواجهة الإمبريالية والصهيونية”.

واعتبر أن قطاعات أخرى من العالم العربي تتأثر بالمواقف الأمريكية والإسرائيلية، وفق توصيفه.

وقال باتيستا إن على لولا الحفاظ على علاقاته مع العالم العربي، لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن نتيجة الانتخابات تحمل رسالة سياسية تتعلق “بدعم فلسطين وسيادة الشعوب ومواجهة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية”، على حد قوله.

وأضاف: “ما نتمناه هو أن تكون لديه علاقة أقرب إلى الشعب الفلسطيني”، إلى جانب تعزيز علاقات البرازيل مع عدد من دول الجنوب العالمي.

وتطرق كذلك إلى كوبا ونيكاراغوا وإيران والشعب الصحراوي، منتقدا عدم اعتراف البرازيل حتى الآن بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ومعتبرا أن السياسة الخارجية الجديدة يجب أن تكون أكثر وضوحا في هذه الملفات.

وفي الوقت نفسه، أقر باتيستا بأن براغماتية لولا تجعل من الصعب الجزم بالمسار الذي سيتخذه، قائلا: “علينا أن ننتظر لنرى كيف ستكون علاقة لولا بالعالم العربي وبإسرائيل خلال المرحلة المقبلة”.

الفلسطينيون يراهنون على استمرار الدعم

ويعكس ترحيب القيادة الفلسطينية بنتيجة الانتخابات رهانا على استمرار السياسة البرازيلية الحالية.

ويأتي ذلك في وقت رسخت فيه البرازيل خلال السنوات الماضية حضورها في الملفات القانونية والدبلوماسية المتعلقة بفلسطين، من التصويت لصالح قرارات أممية مرتبطة بالاحتلال، إلى دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة.

وبالنسبة لباتيستا، فإن فوز لولا لا يمثل نهاية الصراع السياسي بشأن فلسطين داخل البرازيل، بل بداية مرحلة جديدة من الضغط على الحكومة لترجمة خطابها إلى إجراءات أكثر حزما.

وقال إن القوى الشعبية وحركات التضامن مع فلسطين مطالبة بـ”مواصلة الضغط”، معتبرا أن إعادة انتخاب لولا توفر ظروفا سياسية أفضل للدفاع عن القضية الفلسطينية، لكنها لا تعفي الحكومة من اتخاذ خطوات عملية بشأن علاقاتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية مع إسرائيل.

وبينما حسمت صناديق الاقتراع بقاء لولا في قصر بلانالتو لأربع سنوات أخرى، فإن الاختبار بالنسبة إلى القضية الفلسطينية سيكون في مقدار ما تستطيع البرازيل تحويل ثقلها السياسي داخل أميركا اللاتينية و”بريكس” والأمم المتحدة إلى تأثير دبلوماسي ملموس، ومدى استعداد حكومة لولا لترجمة خطابها المؤيد للحقوق الفلسطينية إلى سياسات عملية خلال ولايتها الجديدة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY