لم يعد الربيع في غزة فصلًا يُنتظر، بل زمنًا إضافيًا يُضاف إلى سجل الخسارة. هنا، حيث تتشابه الأيام تحت القصف، لم يعد ثمة فرق بين شتاءٍ قاسٍ وربيعٍ يُفترض أن يكون مليئًا بالحياة.
كل الفصول باتت تحمل الملامح ذاتها: دمار واسع، ووجوه متعبة، وأصوات خافتة تحاول النجاة.
في غزة، كان الربيع يُقاس بتفاصيل بسيطة: شجرة تُزهر، أطفال يلعبون، وألوان خضراء تُخفف من قسوة الواقع. اليوم، تغيب هذه الصور؛ الحقول تضررت، والأشجار تكسّرت، والمساحات التي كانت تمنح الناس بعض الراحة تحولت إلى أماكن موحشة.
لم يعد هناك تمايز بين الطبيعة والدمار؛ كلاهما اندمج في مشهدٍ واحد يغلب عليه اللون الرمادي.
في شمال القطاع، وتحديدًا في بيت لاهيا، كان المزارع وسيم الكيلاني يستيقظ عند الخامسة فجراً ليتفقد أزهاره في مشتله الممتد على مساحة دونمين، والمليء بورود الجوري بألوانها المختلفة.
اليوم، لم تعد أرضه كما كانت؛ فقد طالها الدمار، وأصبحت قاحلة. ولم يعد الكيلاني قادرًا حتى على الوصول إليها، بعدما أصبحت ضمن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، واضطر للنزوح تاركًا خلفه شتلاته التي اعتنى بها لأكثر من عشر سنوات.
يقول الكيلاني لـ”قدس برس”: “جُرفت أرضي بما فيها من ورد جوري قطيفي، وهو نوع يتميز بقدرته على البقاء لأكثر من 25 يومًا بعد قطفه دون أن يذبل”.
ويضيف: “كان الورد مصدر رزقي الوحيد لي ولأسرة شقيقتي، التي كانت تعيل أطفالها من خلال بيعه وصناعة ماء الورد وتسويقه محليًا”.
يتابع بحسرة: “أندم لأنني لم آخذ معي بعض شتلات الورود عند النزوح. بقي قلبي معلقًا بها، وكنت أتواصل مع الجيران للاطمئنان على نحو 1300 شتلة، قبل أن يخبروني أن الأرض جُرفت بالكامل”.
تُقدّر خسائر الكيلاني، من ورود ومعدات تقطير وأدوات زراعية، بأكثر من 20 ألف دولار، فضلًا عن فقدانه أرضه.
قصة مشابهة يرويها المزارع غسان حجازي، الذي يقيم اليوم في خيمة بمنطقة مواصي خان يونس، بعد أن دُمّر منزله وجُرفت أرضه التي عاش من عائد ورودها لأكثر من أربعة عقود.
يقول حجازي: “زراعة الورد مهنة ورثتها عن عائلتي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكانت مصدر دخلنا الوحيد”.
ويضيف: “منذ طفولتي وأنا أعتني بالورود، أسقيها وأقلمها، كما تعلمت من والدي وجدي. كنت أقضي يومي من الفجر حتى المساء بين الحقول، وكانت فرحتنا كبيرة عندما ننجح في تصدير ورد القرنفل عبر معابر غزة إلى هولندا، ليصل إلى الأسواق الأوروبية خلال يوم واحد”.
أرض حجازي، الواقعة غربي رفح، كانت تشهد بدء موسم زراعة الورود في ديسمبر من كل عام، ليُقطف المحصول في أبريل. ويشير إلى أن أكثر من 10 آلاف وردة كانت تُصدَّر للخارج، بسعر يصل إلى ثلاثة دولارات للوردة الواحدة.
وقد احتل الورد الغزّي المرتبة الثانية عالميًا من حيث الجودة بعد الورد الهولندي، وظل محتفظًا بمكانته في البورصات الدولية حتى عام 2013.
من جانبه، يؤكد الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة، محمد أبو عودة، أن زراعة الورد تُعد من أعرق الزراعات في القطاع، وأن “ورد غزة” كان لسنوات بمثابة “سفير فلسطين إلى العالم”، ليس للزينة فقط، بل كهوية تُحمل اسم غزة إلى الأسواق الدولية.
وأوضح أن أبرز أصناف الورد التي كانت تُصدَّر تشمل: القرنفل، الورد الجوري، اللّوندا، الخرسيوت، الأنثوريوم، والجربيرا.
وأضاف أن أزمة هذا القطاع لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، بل سبقتها بسنوات نتيجة الحصار الإسرائيلي، الذي قيّد التصدير وأخّر الشحنات حتى تلفت، إلى جانب عرقلة إدخال المستلزمات الزراعية. ومع اندلاع الحرب، تلقّى القطاع الضربة القاضية، إذ دُمّر ما تبقى منه بشكل شبه كامل.
وأشار إلى أن نحو ثلاثة آلاف دونم كانت تُزرع بالورود في غزة، بإنتاج سنوي يصل إلى ثلاثة ملايين زهرة، لافتًا إلى أن ورود غزة كانت حاضرة في المعارض الهولندية وبورصات الزهور العالمية، وتحمل اسم فلسطين، ما منحها مكانة مميزة رغم المنافسة مع دول مثل المغرب ومصر.
وختم أبو عودة بالقول إن الخسائر التقديرية للقطاع الزراعي في غزة تُقدّر بنحو 3.9 مليار دولار، بما في ذلك زراعة الورد، التي كانت يومًا ما أحد أبرز رموز الحياة في القطاع.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY