لم تعد المسافة التي تفصل بلدتي بيت فوريك وبيت دجن عن مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، تُقاس بالكيلومترات القليلة التي كان المواطنون يقطعونها عادة في نحو ربع ساعة، بل باتت تُقاس بساعات الانتظار الطويلة، وما يرافقها من قلق وإرهاق وتعطيل للمصالح والأعمال والدراسة والمواعيد الطبية.
فعلى حاجز بيت فوريك العسكري، شرقي نابلس، تحولت رحلة الذهاب إلى المدينة أو العودة منها إلى مغامرة مفتوحة على احتمالات التأخير والإغلاق والتفتيش والتنكيل، في ظل الإجراءات الإسرائيلية المتكررة التي جعلت من أبسط حقوق التنقل عبئاً يومياً على آلاف المواطنين.
ولا تقف تداعيات الحاجز عند حدود تعطيل حركة المركبات أو تأخير وصول أصحابها إلى وجهاتهم، بل تمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية لسكان البلدتين؛ فموظفون تُستنزف ساعات عملهم في الطريق، وطلبة يواجهون خطر التأخر عن محاضراتهم وامتحاناتهم، ومرضى ترتبط حياتهم بمواعيد علاج لا تحتمل التأجيل، وتجار تتعطل أعمالهم، وعائلات بات عليها أن تضع الحاجز في حساباتها حتى عندما تخطط لمناسبة يفترض أن تكون من أسعد أيام حياتها.
رهائن ساعات الانتظار
ويقول معد حنني، من بلدة بيت فوريك، ويعمل موظفاً في إحدى الدوائر الحكومية، إن الحاجز لم يعد بالنسبة إلى الموظفين والعاملين في مدينة نابلس مجرد عائق عابر في طريق الذهاب إلى العمل، بل بات عاملاً يفرض نفسه على جدول يومهم بأكمله.
ويؤكد حنني أن الموظف الذي كان يحتاج إلى دقائق للوصول إلى مكان عمله، أصبح مضطراً إلى مغادرة منزله قبل الموعد بوقت طويل، دون أن يضمن وصوله في الوقت المحدد، فيما لا يستطيع دائماً تبرير تأخره أو تعويض ساعات العمل التي يخسرها بسبب إجراءات لا يملك التحكم فيها.
وينبه إلى أن الاستنزاف لا يقتصر على الوقت الذي يقضيه الموظف داخل مركبته، بل يمتد إلى حياته الأسرية ووقت راحته، إذ يجد نفسه مضطراً إلى تقديم موعد خروجه من المنزل وتأجيل عودته، ووضع احتمالات إغلاق الحاجز في حساباته اليومية.
وصول بعد فوات الأوان
ولا تقل معاناة الطلبة الجامعيين وطأة، إذ تتحدث الطالبة سنا فادي عن الظروف التي يواجهها آلاف الطلبة من البلدتين في طريقهم إلى جامعاتهم بمدينة نابلس، مؤكدة أن معاناتهم تتجاوز مسألة الوصول المتأخر، لتطال انتظامهم الدراسي ومستقبلهم التعليمي، الذي بات مرتبطاً بظروف الحاجز وإجراءات جنود الاحتلال.
فالطالب الذي يغادر منزله مبكراً قد يجد نفسه عالقاً في طابور المركبات، دون معرفة موعد السماح له بالعبور، وقد يصل إلى قاعة الامتحان بعد إغلاق أبوابها، أو يفوّت محاضرة يصعب عليه تعويضها.
وتؤكد فادي أن وطأة هذه المعاناة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالامتحانات أو المتطلبات الجامعية المرتبطة بمواعيد محددة، إذ لا يستطيع الطالب مطالبة الجنود بمراعاة موعده الدراسي، ولا يملك في المقابل وسيلة تضمن له الوصول في الوقت المناسب، ليصبح حقه في التعليم رهناً بظروف الحاجز وإجراءاته.
مرضى بين الحاجة للعلاج وعذاب الانتظار
وتبدو تداعيات الحاجز أكثر قسوة عندما يكون العالقون من المرضى، إذ يشير الناشط الشبابي علاء مليطات إلى أن الحاجز يشكل أزمة خطيرة تنعكس آثارها على الأوضاع الصحية لكثير من المرضى، لا سيما أولئك الذين يحتاجون إلى علاجات دورية لا تحتمل التأخير.
ويسرد مليطات قصة المواطنة زكية مصلح، البالغة من العمر 65 عاماً، والتي تحتاج إلى جلسات غسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعياً في مستشفى النجاح بمدينة نابلس.
ويروي أن مصلح اضطرت، عقب انتهاء إحدى جلسات العلاج، إلى الانتظار على الحاجز من الساعة التاسعة مساءً حتى الثانية فجراً، قبل أن تتمكن من العودة إلى منزلها، رغم وضعها الصحي الصعب.
وفي تصريحات إعلامية، أكد مدير مركز الصداقة الطبي في البلدتين، الدكتور محمود حنني، أن نحو 40 مريضاً يحتاجون إلى غسيل الكلى أسبوعياً، فضلاً عن مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج في مستشفيات نابلس، مشيراً إلى أن إغلاق الحاجز يضاعف الأعباء على المرضى والطواقم الطبية.
خسائر لا تنتظر فتح الحاجز
وفي الجانب الاقتصادي، لا تقل تداعيات الحاجز قسوة على التجار وأصحاب المصالح الذين ترتبط أعمالهم اليومية بمدينة نابلس، سواء لتسويق بضائعهم أو شراء احتياجات محالهم أو متابعة معاملاتهم التجارية.
ويضطر المئات من التجار وأصحاب المصالح إلى الخروج يومياً في وقت مبكر، لضمان الوصول إلى أماكن عملهم أو إنجاز معاملاتهم وصفقاتهم، إن سُمح لهم أصلاً باجتياز الحاجز، وفق ما يقوله التاجر فادي حنني.
ويشير حنني إلى أنه يضطر إلى التوجه يومياً إلى مدينة نابلس لمتابعة أعماله التجارية، لافتاً إلى أن الانتظار أمام الحاجز قد يمتد أحياناً إلى 24 ساعة، واصفاً ما يتعرض له المواطنون جراء ذلك بأنه «قتل للمواطنين، وإضرار مقصود بالواقع الاقتصادي، وتدمير للحالة النفسية لكل من يفكر بالنهوض».
ويؤكد أن التاجر لا يملك دائماً خيار تأجيل مشاويره أو تغيير مواعيده، بخلاف بعض الموظفين أو الطلبة، لأن ارتباط مصالحه بالسوق وحركة البضائع والزبائن يجعل كل ساعة تعطيل خسارة محتملة، تضاف إلى الأعباء الاقتصادية التي يتحملها أصلاً.
“قتلوا فرحتنا”
ولعل أكثر المشاهد قسوة في حكايات الحاجز، ما تعرضت له عائلة من بلدة بيت دجن، لم تكن في طريقها إلى العمل أو الدراسة أو تلقي العلاج، بل كانت عائدة من حفل زفاف ابنتها في مدينة نابلس، حاملة ذكريات ليلة يفترض أن تبقى من أجمل أيام العائلة، قبل أن تتحول رحلة العودة إلى احتجاز طويل على الحاجز.
وفي التفاصيل، احتجزت قوات الاحتلال، في 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حافلة تقل أفراد العائلة وأقاربهم ومعازيمهم، بعد عودتهم من حفل الزفاف، واستمر احتجازها أكثر من 18 ساعة، وكان على متنها نحو 35 شخصاً، بينهم نساء وأطفال ومسنون.
وقال والد العروس، فايق أبو حلوان، في أكثر من تصريح إعلامي، إن العائلة اضطرت إلى المبيت في مدينة نابلس قبل يوم من الزفاف، خشية إغلاق الحاجز وتعذر وصولها إلى الحفل، قبل أن تجد نفسها عالقة في رحلة العودة.
وأضاف أن التفكير في كيفية العودة إلى المنزل ظل يشغل أفراد العائلة حتى خلال حفل الزفاف، قائلاً: “نغصوا علينا فرحتنا”.
وبحسب الناشط حامد أبو ثابت، من بلدة بيت دجن، فإن معاناة عائلة أبو حلوان لم تقتصر على طول الانتظار، إذ كان بين المحتجزين أطفال ومسنون ومرضى، من بينهم شقيقة والد العروس، البالغة من العمر 71 عاماً.
وأشار أبو ثابت، في حديثه لـ”قدس برس”، إلى أن الركاب عانوا من البرد خلال ساعات الليل، وتعذر تشغيل أجهزة التكييف، ولم تصل إليهم مياه الشرب إلا بعد ساعات طويلة، فيما كانت قوات الاحتلال تهدد كل من يحاول الاقتراب من المنطقة.
وبين موظف يخشى خسارة عمله، وطالب يقلقه تفويت امتحانه، ومريض ينتظر الوصول إلى علاجه، وتاجر تتراكم خسائره، وعائلة لم تستطع العودة إلى منزلها بعد زفاف ابنتها، تتعدد الحكايات، لكن القاسم المشترك بينها أن حياة المواطنين باتت معلقة بقرار جندي على حاجز عسكري.
فهناك أعمار تُستنزف في الانتظار، وأعمال تتعطل، ومواعيد تضيع، ومناسبات تُسرق فرحتها، فيما لا يملك سكان البلدتين سوى الانتظار، على أمل أن يُسمح لهم بمواصلة طريقهم.
925 عائقاً أمام حركة الفلسطينيين
وتتجاوز القيود المفروضة على حركة سكان بيت فوريك وبيت دجن حدود الحاجز، لتندرج ضمن شبكة واسعة من العوائق العسكرية التي تقيد تنقل الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فقد وُثّق 925 عائقاً دائماً أو متقطعاً أمام الحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حتى كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتؤثر هذه العوائق في حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني، بزيادة نسبتها 43% مقارنة بالمتوسط السنوي المسجل خلال العقدين الماضيين، والبالغ 647 عائقاً.
وتضم هذه الشبكة 89 حاجزاً مأهولاً على مدار الساعة، و218 حاجزاً جزئياً، و232 بوابة طرق، و114 إغلاقاً خطياً، و167 ساتراً ترابياً، و105 حواجز طرق.
كما وثقت “أوتشا” إقامة أكثر من 120 بوابة طرق جديدة خلال عام 2025، فيما تعرقل 459 عائقاً على الأقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية، بينما تطال القيود إمكانية الوصول إلى الأراضي الزراعية في ما لا يقل عن 20% من الحالات الموثقة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY