لم تكن الدموع التي ظهرت في التسجيل المصوّر لحيى السنوار، خلال مكالمته الهاتفية مع الشهيد القائد العام لـ”كتائب القسام” محمد الضيف، مجرد لحظة عاطفية عابرة، بل مشهداً إنسانياً لافتاً أعاد تقديم جانب آخر من شخصية ارتبط اسمها لسنوات بالحسابات السياسية والعسكرية المعقدة، وكشف وجهاً أقل ظهوراً في حياة رجل تصدّر المشهد الفلسطيني لسنوات.
ففي حلقة جديدة من برنامج “ما خفي أعظم”، الذي يقدمه الإعلامي تامر المسحال عبر /قناة الجزيرة/، ضمن فيلم “محمد الضيف.. أسرار ما قبل الطوفان”، عُرضت مشاهد مصوّرة نادرة وثّقت مكالمة جمعت السنوار بالضيف عقب انتهاء معركة “سيف القدس” في أيّار/مايو 2021. وظهر السنوار متأثراً خلال حديثه مع الضيف، قبل أن تغلبه دموعه في لحظة امتزجت فيها مشاعر التقدير والوفاء، واستحضار أحداث المواجهة وما شهدته من تضحيات.
ولم يكن المشهد الذي استوقف المتابعين مرتبطاً بمضمون المكالمة وحده، بل بما كشفه من مساحة إنسانية في شخصية السنوار، الذي اعتاد الظهور في سياقات سياسية وتنظيمية شديدة التعقيد. فخلف صورة القائد المرتبط بالقرارات الكبرى، ظهرت لحظة عفوية عكست مشاعر إنسانية تجاه رفيق درب وشريك في مرحلة مفصلية من تاريخ الحركة.
ولعل ما منح المشهد دلالته أن السنوار لم يكن يتحدث أمام جمهور أو يلقي خطاباً سياسياً، وإنما كان في اتصال شخصي مع الضيف، لم يكن معدّاً للاستعراض الإعلامي، الأمر الذي أضفى عليه طابعاً عفوياً، وفتح الباب أمام استحضار العلاقات الإنسانية التي جمعت شخصيات ظلت بعيدة عن الأضواء.
وفي تفاعلهم مع المشهد، رأى ناشطون ومتابعون أن دموع السنوار لم تكن مجرد انفعال عاطفي عابر، بل عبّرت، وفق قراءتهم، عن فرحة بانتهاء معركة “سيف القدس”، والارتياح لوقف نزيف الدماء، وما اعتبروه تحقيقاً لنتائج سياسية وميدانية في مواجهة الاحتلال، في ظل الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات.
وقال الناشط اليمني محمد العريجي إن دموع السنوار حكت ما عجزت الكلمات عن وصفه، مضيفاً أن “الطوفان” سيبقى شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين.
من جهته، علّق الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا على المشهد قائلاً: “أكثر ما لفت انتباهي في فيلم “الضيف” ذلك الجانب الإنساني العميق في شخصية القادة، وتحديداً التواضع والوفاء للرفاق”.
وأضاف: “أبو خالد، وهو يسرد 40 عاماً من حياته، لم يكن يتحدث عن نفسه بقدر ما كان يستحضر رفاق دربه، يذكر أسماءهم واحداً واحداً، ويقدمهم على نفسه”.
وأشار القرا إلى أن المشهد الأكثر تأثيراً بالنسبة إليه كان دموع السنوار خلال حديثه عن معركة “سيف القدس” وتقديره للضيف، معتبراً أنه عكس مشاعر إنسانية صادقة ووفاءً لرفاق المسيرة، ومردفاً: “كم هو مؤثر أن ترى رجالاً ارتبطت أسماؤهم بأحداث كبرى وتسبق دموعهم كلماتهم”.
بدوره، استحضر يحيى المنسي مكانة مدينة القدس في وجدان السنوار، وكتب تعليقاً على صورة له: “وهل يدرك أهل القدس الآن من كان يحمل همهم ويبكي من أجلهم ومن أجل مدينتهم؟ كل أهل غزة في تلك اللحظة ذُرفت دموعهم، واحتشدوا يومها فرحاً أمام بيت أبي خالد الضيف”.
أما محمد العلي، فعلّق على المشهد مستحضراً ما وصفه بمواقف السنوار وثباته، قائلاً: “المغوار رحمه الله عاش رجلاً ومات رجلاً، وتخلفنا نحن مع ثلة من الجبناء الذين رضعوا لبن أم درزة فاستعصى فطامهم، ورموا أسيادهم بما تلبسوا هم به، كلما تحدثت عن العزة وقول لا لكل ظالم متجبر، أخرجوا قاموس الذلة والدنية، ونثروا مفرداته على مسامعك، فلا تكاد تجد في الدغل رجلاً إلا من رحم الله.. لا نامت أعين الجبناء”.
ومع انتهاء عرض حلقة “ما خفي أعظم”، بقيت مشاهد المكالمة تتردد في أوساط فلسطينية وعربية، باعتبارها توثيقاً لجانب إنساني من حياة شخصيتين ارتبط اسماهما بمحطات مفصلية في تاريخ الحركة الفلسطينية، وأعادت تسليط الضوء على علاقات الرفقة والوفاء التي جمعت قيادات ظلت تفاصيل حياتها الشخصية بعيدة عن الجمهور.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY