Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

“عين عينا”.. حين تتحول قمة جبل إلى خنقٍ استيطاني لقصرة وقرى جنوب نابلس

لم تعد المعركة على جبل “عين عينا” جنوب نابلس مرتبطة بخيام نُصبت على قمة جبلية أو ببؤرة استيطانية يمكن تفكيكها وإزالتها. فما يجري في الموقع خلال الأشهر الأخيرة يكشف مسارًا أوسع، يتمثل في تحويل المرتفعات والينابيع والطرق الزراعية إلى أدوات للسيطرة على حركة الفلسطينيين وأراضيهم، وصولًا إلى ما تعيشه بلدة قصرة اليوم من حصار وملاحقة للمنازل والأهالي.

فالجبل، الذي يقع بين بلدات تلفيت وقصرة وجالود وقريوت، لم يعد مجرد نقطة جغرافية متنازع عليها. ويمنحه ارتفاعه الذي يقارب 950 مترًا، وموقعه المشرف على مساحات واسعة من جنوب نابلس، أهمية تتجاوز مساحته المباشرة.

ومن قمته يمكن مراقبة نطاق واسع من القرى والأراضي الزراعية والطرق التي تربط بينها، وهو ما يفسر حساسية الموقع بالنسبة إلى سكان المنطقة.

في كانون الثاني/يناير الماضي، نصب مستوطنون خيامًا على قمة “عين عينا”، في خطوة أثارت مخاوف المجالس المحلية من تأسيس بؤرة استيطانية جديدة في المنطقة.

وتقع المنطقة في قلب المجال الجغرافي الذي يربط بين قصرة وتلفيت وجالود، ما يعني أن تثبيت وجود استيطاني فيها قد يحوّل الجبل من أرض مفتوحة أمام السكان إلى نقطة للتحكم في حركة الناس ووصولهم إلى أراضيهم. وقد وثقت جهات حقوقية إقامة البؤرة على قمة الجبل، في منطقة مصنفة “ب” وفق اتفاق “أوسلو”.

لكن التطورات اللاحقة في قصرة أعطت هذه الخطوة دلالة أكثر خطورة.

ففي آب/أغسطس، انتقل الاستهداف إلى منطقة رأس العين غربي البلدة، حيث أقام مستوطنون بؤرة قرب ثلاثة منازل فلسطينية، قبل أن يتحول الوجود الاستيطاني إلى حصار فعلي للسكان. ومع مرور الأسابيع، أصبح الوصول إلى المنازل الثلاثة مقيدًا، فيما أعلنت قوات الاحتلال المنطقة عسكرية مغلقة، ونصبت الحواجز والبوابات، وحولت أحد المنازل إلى موقع عسكري، وفق تقارير فلسطينية ودولية.

وفي الرابع من أيلول/سبتمبر، كان الحصار قد دخل شهره الأول، فيما مُنع متضامنون وصحفيون من إيصال الغذاء والدواء والمياه إلى العائلات المحاصرة.

الجبل الذي يضيّق الخناق على البلدة

تواجه قصرة منذ سنوات ضغوطًا استيطانية من أكثر من اتجاه. ومع إغلاق المدخل الشرقي للبلدة منذ سنوات، وتوسع المستوطنات والبؤر في محيطها، باتت المنطقة الغربية واحدة من آخر المجالات المتاحة أمام السكان للتمدد العمراني والوصول إلى الأراضي الزراعية.

ولهذا، ينظر الأهالي إلى جبل رأس العين و”عين عينا” باعتبارهما أكثر من مجرد مساحة زراعية أو منطقة للتنزه. فالموقع يمثل منفذًا جغرافيًا للبلدة، ويضم نبع مياه ارتبطت به حياة السكان لسنوات طويلة، كما أن الطريق المؤدي إليه يصل بين عدة تجمعات فلسطينية.

ويقول رئيس بلدية قصرة، عبد العظيم الوادي، لـ”قدس برس”، إن السيطرة على الجبل تعني عمليًا تضييق الخناق على البلدة من الجهة الغربية، بعدما أصبحت محاطة بالمستوطنات والإجراءات العسكرية من جهات أخرى، مشيرًا إلى أن السيطرة على المنطقة تعيق وصول السكان إلى الأراضي المحيطة بالمنازل ومصادر المياه.

ويضيف أن ما يحدث في “عين عينا” لا يمكن فصله عن الحصار الذي تعيشه ثلاث عائلات في رأس العين؛ فالبؤرة لا تعمل بمعزل عن الطرق والحواجز والمناطق العسكرية، بل ضمن شبكة من الإجراءات التي تجعل الوجود الفلسطيني في المكان أكثر كلفة وصعوبة.

المياه في قلب الصراع

تُعد المياه إحدى أكثر طبقات الصراع حساسية في المنطقة. فـ”عين عينا” و”رأس العين” لا تمثلان مجرد أسماء لموقع جبلي، بل ترتبطان بنبع مياه تاريخي استفادت منه القرى المحيطة قبل وصول شبكات المياه الحديثة.

وتؤكد تقارير عن المنطقة أن المستوطنين سيطروا خلال العام الحالي على النبع في جبل رأس العين، ما أضاف بُعدًا جديدًا إلى الصراع على الموقع.

ويحذر ناشطون في مقاومة الاستيطان من أن السيطرة على المرتفعات والينابيع في هذه المنطقة تمنح المستوطنين قدرة أكبر على التحكم في الأراضي الزراعية المحيطة، ولا سيما أن الموقع يضم أراضي مزروعة بالزيتون والعنب، إضافة إلى مساحات تستخدم للرعي والزراعة.

وهذا ما يجعل الخطر بالنسبة إلى أصحاب الأراضي مختلفًا عن مصادرة قطعة أرض محددة؛ فعندما يصبح الوصول إلى الجبل محكومًا بوجود بؤرة أو حاجز أو منطقة عسكرية، تبقى الأرض مسجلة بأسماء أصحابها، لكنها تتحول عمليًا إلى أرض يصعب الوصول إليها واستثمارها.

من الخيمة إلى الحصار

ما حدث في قصرة خلال آب/أغسطس يوضح كيف يمكن لبؤرة صغيرة أن تنتج واقعًا أوسع. فقد بدأ الأمر بخيام، ثم بإغلاق طرق، ثم بالاقتراب من المنازل، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة وحصار.

وفي إحدى الهجمات أواخر آب/أغسطس، حاصر مستوطنون فلسطينيين داخل منزل في رأس العين، بالتزامن مع وصول تعزيزات من جيش الاحتلال واندلاع حرائق في أراضي المواطنين. كما أُصيب فلسطينيون وصحفيان أجنبيان خلال هجمات استهدفت قصرة وجالود في 29 آب/أغسطس.

وفي مطلع أيلول/سبتمبر، بقيت العائلات الثلاث تواجه صعوبة في الحصول على احتياجاتها الأساسية، بينما استمر منع الوصول إلى المنطقة. وتشير تقارير حديثة إلى أن الجيش الإسرائيلي منع حتى متضامنين وصحفيين من محاولة إيصال الغذاء والدواء إليها.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY