في خضمّ العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة وما يرافقه من مشاهد مأساوية تتصدر عناوين الأخبار العالمية، تتصاعد أصوات التضامن في الغرب لتشكّل ضغطًا سياسيًا وأخلاقيًا على حكوماتها، أحدثها استقالة وزير الخارجية الهولندي كاسبار فيلدكامب احتجاجًا على سياسات بلاده حيال ما يجري في القطاع، في خطوة وُصفت بالجريئة وتعكس حجم الارتباك داخل بعض الدوائر الغربية أمام الرأي العام المتعاطف مع الفلسطينيين.
ورأى العديد من الكتّاب والمحللين أنّ الحراك الميداني والرسمي في الدول الأوروبية في حال تصاعد وتوجه نحو صورة الاحتلال وأمريكا وبشكل مستمر ومتصاعد من الممكن أن يشكّل أداة ضغط على مجريات الحرب الدموية في غزة وتقصير عمرها.
من جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي إنه إذا ما تطورت المواقف الأوروبية بشكل أفضل وحقيقي وفعلي لمواجهة الموقف الإسرائيلي فبكل تأكيد سيصبح هناك تغيير إيجابي لصالح إنهاء الحرب الدموية والكارثة الإنسانية الواقعة على قطاع غزة بكل مكوناته.
ويرى عنبتاوي أن الاكتفاء بالإدانات والتصريحات والشجب والاستنكار أو إعلان بعض الدول والحكومات نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن ينهي المقتلة الحاصلة ولن يحقق الردع للاحتلال أو يوقف جرائمه وتحديدًا في ظل الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة الأمريكية.
وبحسب عنبتاوي فإن ما يردع الاحتلال يقينيًا هو فرض عقوبات حقيقية من قبل الأوروبيين ووقف تزويد إسرائيل بالسلاح ووضع حد للتعاملات الاقتصادية وفرض عقوبات أكاديمية وثقافية على كافة المستويات وملاحقة قادة الاحتلال وقطع العلاقات التجارية والدبلوماسية، فهذا يمكن أن يحدث كما حصل تمامًا مع دولة جنوب أفريقيا.
واعتبر عنبتاوي بقاء ردات الفعل على ما هو عليه الآن والاكتفاء بشكلها المتمثل بالإدانات والاستنكارات وتزامنًا مع عدم الخروج من الدائرة الأمريكية وعدم الخروج بمواقف واضحة صارمة إزاء ما يجري، كما هو موقف الشعوب الأوروبية، فإن الحرب ستستمر والتوغل والتغول والإجرام الإسرائيلي سيستمر.
ولفت عنبتاوي بأن الجمهور الأوروبي الذي يخرج للشارع في حال واصل الحراك وصعّدها ووجّه تحركاته أيضًا نحو الحكومات الأمريكية فإنه بكل تأكيد سيجد صدى وأثرًا في طبيعة الحرب الدائرة لما لها من دور في فضح جرائم الاحتلال.
وحتى تكون الخطوات في الدول الأوروبية ذات مغزى وقوة كما حصل مع استقالة وزير الخارجية الهولندي يرى عنبتاوي بأنه من الضرورة أن تنسجم المواقف لدى القيادات الأوروبية مع نبض الشارع في أوروبا ومع المواقف والمطالبات لمواجهة السياسات الإسرائيلية.
ولفت عنبتاوي بأن واحدة من الأمور التي يجب أن تكون حاضرة في الإجراءات والخطوات الأوروبية والحراك الحاصل هناك، المطالبة بعزل السياسة الإسرائيلية ومن يدعمها وتحديدًا الولايات المتحدة وتحديد الصلاحيات وتقييدها.
كما يرى عنبتاوي بأن هناك مسؤولية على الاتحاد الأوروبي المطالب باتخاذ من موقعه موقفًا من جرائم التدمير والتجويع وخصوصًا بعد إعلان الأمم المتحدة عن وجود مجاعة في قطاع غزة وفي ظل استهداف الصحافة واستشهاد الصحفيين.
وعبّر عنبتاوي عن قناعته بأن خطوات وزير الخارجية الهولندي وما يجري من تصاعد في الحراك لدى المجتمع الأوروبي يؤشّر إلى أنه ممكن أن يكون هناك تحول في الموقف على مسار الحرب وصورة الاحتلال مستقبلًا وعلى الحكومات والجمهور الأوروبي كسب المعادلة لصالح القضية الفلسطينية.
الكاتب والمحلل السياسي خالد معالي أكد أنّ ما جرى من قبل وزير الخارجية الهولندي هو ارتداد متوقع وتنامٍ في موقف الغرب الذي بدأ بالخروج عن مساره المتعاطف مع الاحتلال ليصبح ناقمًا على سياسات الاحتلال وجرائمه المتمثلة بالحرب الدموية التي خرجت عن كل المعايير الأخلاقية والإنسانية والقانونية.
ويرى معالي أن موقف هولندا وتنامي الحراك في أوروبا يشير إلى عمق الأزمة لدى حكومة الاحتلال ونتنياهو موضحًا: “صور الأشلاء والدمار في غزة غيرت نظرة العالم إلى إسرائيل وتحقق ما كان يحذر منه كتّاب رأي وقادة لدى دولة الاحتلال من أن تصبح إسرائيل دولة منبوذة أكثر فأكثر وتخسر العالم”.
وأردف معالي: “نتنياهو بجنونه وأطماعه السياسية يستمر في حرب الإبادة بحجة عدم تحقيق أهداف الحرب وتوازيًا مع ذلك يستمر تقهقر مواقف الداعمين وتغيرها في المجتمع الأوروبي شعبيًا وحكوميًا، الأمر الذي ينذر بوجود ردات فعل إضافية من قبل بعض الأنظمة”.
وأعلن وزير الخارجية الهولندي كاسبار فيلدكامب قبل أيام استقالته من حكومة تصريف الأعمال بسبب موقفها الرافض لفرض إجراءات جديدة ضد إسرائيل التي تواصل عدوانها على قطاع غزة.
وقال فيلدكامب إن الحكومة لا تؤيد اتخاذ “إجراءات إضافية ذات أهمية” ضد إسرائيل بسبب حربها على غزة وخططها الاستيطانية في الضفة الغربية، مضيفًا “شعرت بمقاومة داخل مجلس الوزراء”.
وكان الوزير قد صرّح الخميس برغبته في اتخاذ تدابير إضافية ضد إسرائيل، بعد إعلان أمستردام في يوليو/تموز الماضي أن “الوزيرين الإسرائيليين اليمينيين المتطرفين إيتمار بن غفير وسموتريتش غير مرغوب فيهما في البلاد”.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY