Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

التحالف “السعودي–التركي–الباكستاني”.. هل تتشكل مظلة إقليمية لمواجهة تحديات المنطقة؟

في منطقة تتبدل فيها خرائط التحالفات بسرعة، وتتزايد فيها المخاطر الأمنية والسياسية، يبرز التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان كأحد أبرز التحولات الاستراتيجية التي قد تعيد رسم جزء من معادلات القوة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

ولا يستند هذا التقارب إلى مجرد تقاطع في المصالح، بل إلى امتلاك كل طرف أوراق قوة مختلفة يمكن أن تكمل بعضها بعضًا؛ فالسعودية تتمتع بثقل اقتصادي وسياسي وموقع محوري في الخليج، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية متقدمة وصناعات دفاعية متطورة وثقلًا جيوسياسيًا، في حين تتمتع باكستان بجيش كبير وخبرة عسكرية واسعة وموقع استراتيجي في جنوب آسيا.

وفي هذا السياق، يكتسب التقارب بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد أهمية خاصة، باعتباره تقاطعًا بين ثلاث قوى تمتلك إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية متفاوتة، لكنها تلتقي عند الحاجة إلى تعزيز أمنها وقدرتها على التعامل مع بيئة إقليمية شديدة التقلب.

ولا تكمن أهمية هذا المسار في عدد الدول المشاركة فيه فحسب، بل أيضًا في موقعها الجغرافي؛ إذ تمتد المعادلة المحتملة من الخليج العربي إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا، بما يفتح مجالًا واسعًا للتنسيق في ملفات الأمن والدفاع والطاقة والتجارة والسياسة الخارجية.

اتفاق الدفاع السعودي–الباكستاني

وشكّل اتفاق الدفاع الاستراتيجي بين السعودية وباكستان، الذي أُعلن في سبتمبر/أيلول 2025، نقطة تحول مهمة في العلاقات بين البلدين، بعدما نص على أن أي عدوان على إحدى الدولتين يُعد عدوانًا على كلتيهما.

وحمل هذا التطور دلالة تتجاوز إطار التعاون العسكري التقليدي، إذ جاء في مرحلة شهدت ارتفاعًا في مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة، وأعاد إلى الواجهة فكرة بناء ترتيبات دفاعية بين دول إقليمية، بدل الاكتفاء بالاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية.

ومع دخول تركيا على خط هذا التعاون، تتزايد أهمية هذه الترتيبات، خصوصًا أن أنقرة تمتلك خبرة عسكرية واسعة وصناعات دفاعية متقدمة، بينما تتمتع الرياض بثقل سياسي واقتصادي كبير، وتملك إسلام آباد قدرات عسكرية وخبرة طويلة في التعاون الدفاعي مع دول الخليج.

دوافع التقارب

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث السياسي محمد بخيت أن التحالف القائم بين الدول الثلاث كان محل نقاش خلال السنوات الماضية، إلا أن التوصل إلى تفاهمات بشأنه تسارع خلال الفترة الأخيرة، على خلفية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما رافقها وما تبعها من تطورات وتهديدات طالت مختلف الكيانات السياسية في المنطقة.

وقال بخيت لـ”قدس برس” إن الاتفاق برز بصورة أوضح بعدما تنصل الأمريكيون من اتفاقياتهم وتفاهماتهم مع دول الخليج بشأن الحماية الاستراتيجية من الضربات خلال الحرب على إيران، ولا سيما بعد أن وجهت طهران ضربات إلى دول خليجية.

وأضاف أن دولًا إقليمية مؤثرة، مثل باكستان والسعودية وتركيا وحتى مصر، باتت تدرك أن الولايات المتحدة لا تلبي بالضرورة احتياجاتها الدفاعية، مشيرًا إلى أن إيران نفسها باتت تدرك هذه المعادلة.

مخاوف إسرائيلية واحتمال انضمام مصر

ويرى بخيت أن “إسرائيل” لا تنظر بإيجابية إلى هذا الاتفاق، ولا تتوافق معه، معتبرًا أنه قد يمثل تهديدًا لأمنها، خصوصًا أنها لا ترغب في رؤية مظاهر اتحاد وتنسيق متزايد بين دول المنطقة.

وأضاف أن إسرائيل تخشى، على وجه الخصوص، احتمال انضمام مصر إلى هذا المسار، معتبرًا أن دخول القاهرة قد يمنح التحالف عمقًا استراتيجيًا أكبر، بالنظر إلى الموقع الجغرافي لمصر وقربها من إسرائيل.

وأشار إلى أن انضمام مصر، في حال حدوثه، قد يفتح الباب أمام حضور عسكري وأمني للدول الثلاث، بما في ذلك القوات والرادارات ووسائل الاتصال والطائرات، وهو ما قد يؤدي، وفق تقديره، إلى تغير في المعادلة الأمنية المحيطة بإسرائيل.

ويؤكد بخيت أنه لا يمكن النظر إلى هذا الترتيب باعتباره نسخة من تحالف دول الخليج، موضحًا أن مجلس التعاون الخليجي تحالف قديم ومستمر منذ نحو أربعة عقود، وأن الروابط الجغرافية والسياسية والأمنية بين دوله كانت عاملًا أساسيًا في تأسيسه واستمراره.

وأضاف أن دول مجلس التعاون ترتبط بحدود جغرافية متقاربة وعوامل مشتركة عديدة، وهو ما يجعل طبيعة التحالف الخليجي مختلفة عن طبيعة التقارب القائم بين تركيا والسعودية وباكستان.

تحالف قابل للاستمرار.. أم ترتيب مؤقت؟

من جانبه، يرى المحلل السياسي بلال القيسي أن أصل التقارب بين قوى المنطقة يرتبط بمحاولة توحيد المواقف تجاه قضايا المنطقة وتقليص الاعتماد على الدور الأمريكي، خاصة بعد شعور دول الخليج بأنها تُركت لمواجهة تداعيات التوتر مع إيران بدرجة أكبر من السابق.

وقال القيسي لـ”قدس برس” إن العديد من التفاصيل المتعلقة بهذا التحالف والدول التي قد تنضم إليه لا تزال غامضة، ولا يمكن الجزم بها في الوقت الراهن، ومن بينها مسألة انضمام مصر.

وأكد أن غياب موقف أمريكي واضح تجاه هذا التحالف يثير التساؤلات، مشيرًا إلى أن عدم مشاركة دولتين رئيسيتين، هما مصر وإيران، كعضوين مؤسسين، يستحق التوقف عنده، خاصة في ظل وجود مصالح مشتركة بين مختلف الأطراف في الحفاظ على استقرار المنطقة وتقليص مساحة التدخلات الإسرائيلية والأمريكية فيها.

وتساءل القيسي عن طبيعة الموقف الأمريكي من ترك المنطقة وإفساح المجال أمام إيران، محذرًا من أن استمرار حالة الاستقطاب قد يفتح الباب أمام توترات داخلية وصراعات إسلامية–إسلامية، وهو ما يستدعي، برأيه، مزيدًا من الحذر.

وفي تقديره، فإن هذا التحالف يمتلك قابلية للاستمرار، لكنه في الوقت ذاته يبدو، في مرحلته الحالية، أقرب إلى ترتيب آني فرضته التطورات الإقليمية منه إلى تحالف استراتيجي مكتمل الأركان، إذ إن لكل طرف من أطرافه دوافعه وأهدافه الخاصة.

مظلة إقليمية قيد التشكل

وبينما لا تزال ملامح هذا التقارب في طور التشكل، فإن جمع السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار أمني وسياسي أكثر تنسيقًا قد يعكس تحولًا أوسع في طريقة تعاطي دول المنطقة مع التحديات الأمنية.

فالتباين في قدرات الدول الثلاث قد يتحول إلى عنصر تكامل: الرياض توفر الثقل الاقتصادي والسياسي، وأنقرة تضيف القدرات العسكرية والصناعات الدفاعية، بينما تمنح إسلام آباد المعادلة عمقًا عسكريًا واستراتيجيًا في جنوب آسيا.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التقارب سيتحول إلى تحالف مؤسسي طويل الأمد، أم سيظل إطارًا مرنًا للتنسيق تفرضه الظروف الإقليمية المتغيرة.

وفي ظل استمرار التوترات الأمنية وتراجع اليقين بشأن شكل المظلات الأمنية التقليدية في المنطقة، قد تكون الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بقدرة الدول الثلاث على تحويل التقارب السياسي والدفاعي إلى آليات تعاون واضحة ومستدامة، وبمدى استعداد أطراف إقليمية أخرى للانضمام إليه أو التعاون معه.

أثار توقيع السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة، اتفاقية للدفاع المشترك في مدينة مكة المكرمة، اهتماماً واسعاً في الإعلام الإسرائيلي، في ظل قراءة تعتبر أن دخول أنقرة إلى جانب الرياض وإسلام آباد ينقل التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث إلى مستوى أكثر تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي.

وينص الاتفاق، وفق البيانات الصادرة عن الدول الموقعة، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، بما يعزز مبدأ الردع الجماعي والتعاون الدفاعي بينها.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الاتفاق يستند إلى مفهوم “الردع الجماعي”، ويهدف إلى تطوير التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية ومكافحة الإرهاب، مؤكداً أنه “لا يستهدف أي دولة”.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY