Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

غرفة على السطح ورفاق في الظل.. حكاية عائلة فتحت بيتها لمحمد الضيف

أعادت حلقة برنامج “ما خفي أعظم” فتح أبواب الذاكرة أمام المواطنة الفلسطينية “أم محمد”، لتستحضر فصولاً من سنوات عاشتها مع محمد الضيف، حين كان مطارداً من قوات الاحتلال الإسرائيلي، منذ عام 1991 وحتى ما قبل استشهاده بسنوات قليلة.

وتستعيد “أم محمد” مساء ذلك اليوم الماطر، حين دخل عليها زوجها وأخبرها بأن مجموعة من الشباب الذين يلاحقهم جيش الاحتلال سيقضون ليلتهم الأولى في منزلهم، فلم تتردد في الموافقة، مجيبة إياه بعبارة اختصرت موقفها: “اللي أنت فيه أنا فيه”.

وتروي تفاصيل اللقاء الأول مع الضيف ورفاقه، قائلة إن زوجها “أبو محمد” كان يجلس في محله الصغير لبيع المواد الغذائية، حين دخلت مجموعة من الشباب مسرعة إلى المحل واختبأت خلف إحدى الثلاجات، لتظهر بعد دقائق دورية تابعة لجيش الاحتلال كانت تلاحقهم، لكنها غادرت دون أن تتمكن من اعتقالهم.

وتضيف في حديثها لـ”قدس برس” أنه بعد مغادرة الدورية، أخبر أبو محمد الشبان بأن الطريق أصبح آمناً، وعرض عليهم المساعدة، فأبلغه أبو خالد بحاجتهم إلى مكان يبيتون فيه.

ولم يتردد أبو محمد في اصطحاب الضيف ورفاقه إلى منزله، حيث خصص لهم غرفة ملحقة بحمام، ولها مدخل خاص، وكان من بين الذين رافقوه في تلك الفترة يحيى عياش، وحسن سلامة، وباسم ومروان عيسى، وسعد العرابيد، ووليد شمالي.

غرفة على السطح وذاكرة لا تغيب

لم تكن مهمة إخفاء هؤلاء الشبان عن أعين المحيطين بالأمر سهلة بالنسبة إلى الزوجين، فالمنزل كان يضم والد أبي محمد وأبناءه، فضلاً عن كثرة الزوار والمترددين عليه.

وتوضح “أم محمد” أن الزوجين فكرا في البداية بالقول إن هؤلاء الشبان أصدقاء لزوجها، وجاءوا لقضاء بضعة أيام عنده، لكن هذه الحجة لم تكن مقنعة لأفراد الأسرة، فكان البديل الاستعانة ببعض أقارب الزوجة لتبرير وجودهم.

ومع مرور الوقت، قرر الزوجان بناء غرفة على سطح المنزل، ملحقة بحمام، وأشاعا أن الزوج يريد تخصيصها لتربية بعض الطيور، وهو ما أتاح توفير مكان أكثر ملاءمة لإقامتهم بعيداً عن الأنظار.

وتردف “أم محمد” أن غرفة السطح أصبحت مكان إقامة للضيف ورفاقه، الذين كان عددهم يتغير من وقت إلى آخر، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مقر لإدارة عملياتهم، ولا سيما خلال فترة قدوم السلطة الفلسطينية وما رافقها من ملاحقة مزدوجة لهم.

وتستعيد تفاصيل تلك المرحلة، قائلة إن الحذر كان سمة بارزة في تحركاتهم، وإنها تتذكر جيداً حجم الجهد الذي كانوا يبذلونه في التخطيط لعمليات معقدة ومتعددة المراحل.

وتضيف أن يحيى عياش والضيف وحسن سلامة كانوا يمكثون في الغرفة فترات طويلة خلال تلك المرحلة، وينشغلون بالتخطيط، بينما كان الشبان الآخرون يترددون على المكان، ويتحركون بطرق وشخصيات مختلفة.

وتصمت قليلاً قبل أن تستحضر ذكرى استشهاد يحيى عياش، قائلة إن رحيله شكّل صدمة كبيرة لرفاقه، وإن حسن سلامة تولى قيادة عمليات الثأر له، قبل أن تعتقله قوات الاحتلال لاحقاً.

سنوات الملاحقة والاعتقال

وتؤكد “أم محمد” أن الطريق لم تكن سهلة أمام الضيف ورفاقه، وأن سنوات التسعينيات كانت من أصعب المراحل التي عاشوها، في ظل الملاحقة الإسرائيلية وما رافقها من تضييق ومخاطر متواصلة.

وتروي أن أجهزة أمن السلطة الفلسطينية تمكنت في إحدى المرات من تتبع أحد الأشخاص المنخرطين في العمل مع الضيف واعتقاله، في محاولة للوصول إليه، وأن الرجل أدلى، تحت التعذيب، بمعلومات عن وجودهم في منزل أبي محمد.

وتقول: “تفاجأنا ذات مساء بطرقات مخيفة على باب المنزل، وإذا بدورية تابعة للسلطة الفلسطينية تقتحمه وتفتش غرفه بحثاً عنهم. ومن حسن الحظ أنهم كانوا قد غادروا المنزل قبل ليلة واحدة، بعدما علموا باعتقال ذلك الرجل”.

وتضيف أن الأجهزة الأمنية، بعدما لم تعثر على الضيف ورفاقه، اعتقلت زوجها واقتادته للتحقيق والتعذيب، دون مراعاة لوضعه الصحي ومعاناته من مرض في القلب، في محاولة لانتزاع أي معلومات منه، لكنها لم تتمكن من ذلك.

الضيف الإنسان.. وفاء وحنان خلف سنوات المطاردة

وتقول “أم محمد” إن مشاهدتها حلقة “ما خفي أعظم” أعادت أمامها سنوات طويلة من الذكريات التي عاشتها مع الضيف ورفاقه، واستحضرت خلالها صورة أبي خالد الإنسان، بعيداً عن تفاصيل المطاردة والعمل المقاوم.

وتصفه بأنه كان وفياً ومعطاءً وحنوناً، ولم يكن يغيب عن أي مناسبة عائلية، مضيفة: “لم نرَ منه إلا كل خير، كان مخلصاً في عمله، طيب القلب، رجل من زمن الصحابة، تجده خفيفاً مرحاً مع الصغير، جاداً وقت العمل، حليماً، ولا يرد طلباً لأي شخص، حتى لو كان ذلك من ماله الخاص”.

وتتابع أن تجربة العيش إلى جانب هؤلاء الرجال كانت استثنائية بالنسبة إليها، إذ لم تكن تتخيل يوماً أن تعايش أشخاصاً يعيشون حياتهم وهم يتوقعون الشهادة في أي لحظة، وينظرون إليها باعتبارها نهاية الطريق الذي اختاروه، دون أن يرهبهم احتمال مواجهة عدوهم.

وتستذكر الإصابات التي تعرض لها الضيف خلال سنوات مطاردته، موضحة أنه أصيب ثلاث مرات؛ كانت إحداها في قدمه، والتأمت جراحها، والثانية في الجانب الأيمن من وجهه، فيما كانت الإصابة الثالثة التي فقد على إثرها إحدى عينيه.

وتردف أن ردة فعله إزاء تلك الإصابات كانت دائماً مرتبطة بقناعته بأنه يقدم ما يستطيع في سبيل الله، وأنها إصابات في سبيل ما يؤمن به.

“عرفت أي رجل خسرت أمتي”

وتختم “أم محمد” شهادتها باستحضار اللحظة التي بلغها فيها نبأ استشهاد الضيف، مؤكدة أنها لم تشعر بحزن مماثل طوال حياتها، بعدما أدركت حجم الخسارة التي يمثلها غيابه بالنسبة إليها ولمن عرفوه.

وتقول: “لم أحزن في حياتي مثلما حزنت عندما أُعلن خبر استشهاده، عرفت وقتها أي رجل خسرت أمتي، وكم كانت خسارتها كبيرة بفقده”.

وتضيف أن الحلقة أعادت إليها ذكريات أبي خالد وسيرته التي تحتفظ بها، وما عاشته معه من مواقف إنسانية، مؤكدة أنها تفخر بأنها عايشت جانباً من حياته، وكانت ممن عرفوه عن قرب.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY