Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

هندسة المجاعة في غزة.. حين يتحول الجوع إلى أداة إخضاع

قلّص برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية في قطاع غزة بنحو الثلث خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بسبب نقص التمويل، ما يحرم نحو نصف مليون فلسطيني من المساعدة، ويخفض عدد المستفيدين من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص. كما خفّض البرنامج الحصص الغذائية إلى النصف، وقلّص الوجبات الساخنة اليومية من 250 ألفًا إلى 150 ألف وجبة.

وفي تطور يكشف أثر نقص الإمدادات على الخبز اليومي، حذّرت جمعية أصحاب المخابز في غزة، في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من أن مخزون الطحين التجاري نفد، وأن سبعة مخابز فقط من أصل عشرين بقيت تعمل، وقد تضطر إلى الإغلاق خلال 48 ساعة إذا لم تدخل كميات جديدة. وعزت الجمعية الأزمة إلى إغلاق المعابر خلال الأسبوع السابق ومنع إدخال الطحين التجاري، مؤكدة أن المخابز العاملة اعتمدت على كميات محدودة متاحة في القطاع.

وتكشف هذه الوقائع جانبًا من سياسة يمكن وصفها بـ “هندسة المجاعة”، وهي عبارة يستخدمها هذا التقرير للدلالة على التحكم المتعمد في دخول الغذاء ومصادره وأصنافه وطرق توزيعه، بما يجعل الحرمان من الطعام وسيلة ضغط وإخضاع للسكان. ويتقاطع هذا الوصف مع مفهوم “تسليح الغذاء” الذي تناولته دراسات أكاديمية في سياق استخدام التجويع أداةً في الحروب، وليس باعتباره مجرد نتيجة لنقص الإمدادات.

نصف مليون يفقدون المساعدات

تأتي هذه التطورات فيما يواجه نحو 1.4 مليون فلسطيني، يمثلون 67 بالمئة من سكان القطاع، مستويات أزمة غذائية أو أسوأ، وفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في تموز/يوليو 2026. ويعيش 212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ الغذائية، فيما حذّر التحليل من تدهور متوقع خلال النصف الثاني من العام. ولم يصنّف التقييم القطاع في مرحلة المجاعة، لكنه أظهر هشاشة التحسن واحتمال تراجعه مع نقص المساعدات.

ولا يقتصر أثر الأزمة على تقليص الطرود، فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن المنظمات العاملة في المجال الغذائي أعدت نحو 603 آلاف وجبة يوميًا خلال الفترة من 12 – 18 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فيما ارتفع متوسط تكلفة سلة الغذاء بنسبة 20 بالمئة، وسجل سعر البطاطا زيادة بلغت 72 بالمئة. ومع فقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار، تجد الأسر نفسها أمام غذاء أقل قدرةً على شرائه.

200 صنف بدلًا من 10 آلاف

وتقول مصادر اقتصادية فلسطينية إن القيود الإسرائيلية تمتد إلى نوعية البضائع والجهات المسموح لها بالتوريد. وأفاد مدير عام غرفة تجارة وصناعة غزة، ماهر الطباع، في أيلول/سبتمبر الماضي، بأن ما يدخل القطاع لا يتجاوز 200 صنف، مقارنة بأكثر من عشرة آلاف صنف قبل الحرب أي نحو 2 بالمئة من تنوع الأصناف السابق، وليس من إجمالي كميات البضائع.

وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي أيضا، تحدثت مصادر اقتصادية عن تراجع عدد التجار المسموح لهم بإدخال البضائع من 13 إلى 8، وحصر التوريد عبر أربع شركات إسرائيلية، وفق ما أورده الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية في تحركه القضائي أمام المحكمة العليا الإسرائيلية. كما اعترض الاتحاد على منع دخول المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية إلى أسواق القطاع، وطالب بالسماح بتوريدها.

وتعني هذه القيود أن الأزمة لا تتعلق فقط بكمية الطعام المتاحة، بل أيضًا بمن يستطيع إدخاله، وما الأصناف التي يسمح بوصولها، وما إذا كان المنتج الفلسطيني قادرًا على الوصول إلى المستهلك في غزة. وتزيد هذه القيود صعوبة تأمين المواد الغذائية ومستلزمات الإنتاج، وتحد من قدرة المخابز والمنشآت المحلية على العمل.

وفي تفسيره لكيفية تحول هذه القيود إلى أداة للتجويع والإخضاع، قال د. محمود حنفي، مؤسس المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، في تصريح خاص لـ«قدس برس»، إن الأصل أن يُتاح الغذاء للمدنيين وفق القواعد التي نصت عليها القوانين الدولية، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي توجب حماية المدنيين وتوفير مستلزمات الحياة لهم.

وأوضح أنه لا يجوز إخضاع إدخال الغذاء وتوزيعه للابتزاز الإسرائيلي، أو منع وصوله إلى السكان، كما لا يجوز للاحتلال تدمير الأراضي الزراعية والمخابز ومصادر المياه، وتعريض حصول المدنيين على الغذاء لمخاطر شديدة. وأضاف أن الجوع لم يعد مجرد نتيجة للحرب، بل أصبح وسيلة تستخدمها إسرائيل للضغط على السكان وتهجيرهم وكسر إرادتهم، مشيرًا إلى أن المادة الرابعة والخمسين من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 تحظر تجويع المدنيين أسلوبًا من أساليب الحرب، وتمنع استهداف الأعيان والموارد الضرورية لبقائهم على قيد الحياة.

طوابير المساعدات.. من الجوع إلى الموت

ولم تكن مخاطر الوصول إلى الغذاء وليدة آليات التوزيع الأخيرة. ففي 29 شباط/فبراير 2024، أطلقت القوات الإسرائيلية النار على فلسطينيين تجمعوا للحصول على الطحين قرب دوار النابلسي غرب مدينة غزة، ما أدى إلى مقتل 112 شخصًا على الأقل وإصابة نحو 760، وفق خبراء الأمم المتحدة، في الواقعة التي عُرفت باسم “مجزرة الطحين”.

وفي عام 2025، بدأت مؤسسة غزة الإنسانية، المدعومة أمريكيًا وإسرائيليًا، توزيع المساعدات عبر نقاط محدودة. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمقتل ما لا يقل عن 1,373 فلسطينيًا أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء بين 27 أيار/مايو و31 تموز/يوليو من العام نفسه؛ بينهم 859 قرب نقاط التوزيع و514 على طرق قوافل المساعدات، وقال إن معظم عمليات القتل ارتكبها الجيش الإسرائيلي.

وسبق ذلك إنشاء الولايات المتحدة رصيفًا بحريًا مؤقتًا لإدخال المساعدات عام 2024، بكلفة تقديرية بلغت 230 مليون دولار. لكنه لم يعمل سوى 20 يومًا، ولم يحقق هدفه المعلن بإيصال مساعدات تكفي 500 ألف شخص شهريًا لمدة ثلاثة أشهر؛ إذ انتهت العملية إلى توفير ما يكفي لإطعام نحو 450 ألف شخص لمدة شهر واحد. وخلص تقرير المفتش العام للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى أن التحديات الأمنية وصعوبات التوزيع بعد وصول المساعدات إلى الشاطئ أعاقت العملية، وأن المعابر البرية كانت أكثر كفاءة.

التجويع جريمة يحظرها القانون الدولي

وفي نيسان/أبريل 2024، أصدرت منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية تقريرًا بعنوان “عار التجويع: إسرائيل مسؤولة عن جريمة التجويع في قطاع غزة”، خلصت فيه إلى أن إسرائيل ترتكب جريمة التجويع، مستندة إلى تقارير مؤسسات دولية وشهادات ميدانية، وربطت ذلك بمنع الإغاثة الكافية وتدمير مقومات الإنتاج الغذائي المحلي.

ويحظر القانون الدولي الإنساني تجويع المدنيين وسيلةً من وسائل الحرب. وتلزم المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة قوة الاحتلال بضمان إمداد السكان بالغذاء والإمدادات الطبية، فيما تنص المادة 59 على تسهيل عمليات الإغاثة عندما لا يحصل السكان على ما يكفي من المؤن.

وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية والعملية المطلوبة لوقف التجويع ومحاسبة المسؤولين عنه، شدد د. محمود حنفي، مؤسس المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، في حديث مع لـ”قدس برس”، على ضرورة فتح جميع المعابر، وضمان تدفق الغذاء دون عوائق، وتمكين الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية من توزيعه باستقلالية وأمان، مع إلزام الاحتلال بحماية المدنيين وطواقم الإغاثة.

ودعا إلى إدراج سياسة التجويع واستخدام الغذاء وسيلةً من وسائل الحرب ضمن ملفات المحكمة الجنائية الدولية، ومطالبتها بالتحرك إزاء الجرائم الموثقة، مؤكدًا ضرورة وفاء الدول بالتزاماتها تجاه القانون الدولي الإنساني، فرديًا وجماعيًا.

وأكد أن الحق في الغذاء حق إنساني وأخلاقي وقانوني، وليس امتيازًا تمنحه إسرائيل أو تمنعه، معتبرًا أن ما يجري هو استخدام التجويع أداةً للموت البطيء والإذلال والقهر، وقتل الروح المعنوية لدى الفلسطينيين، تمامًا كما يُستخدم القتل المباشر. وشدد على أنه لا يجوز للعالم الاكتفاء بوصف الواقع وإحصاء أعداد الشاحنات الداخلة، بل المطلوب اتخاذ إجراءات حازمة وواضحة تجاه دولة تنتهك قواعد الحرب.

ومع تقليص المساعدات، وتقييد دخول البضائع، ونقص الطحين، وتعطيل المخابز، واستمرار المخاطر التي تهدد طالبي الغذاء، يواجه سكان غزة خطر تدهور جديد في أوضاعهم الغذائية، بالتزامن مع اقتراب الشتاء وإقامة مئات آلاف النازحين في مواقع معرضة للأمطار والفيضانات. وهكذا لا ينحصر السؤال في كمية الغذاء التي تصل إلى القطاع، بل في القيود التي تتحكم بوصوله، والجهات التي تسمح بإدخاله وتوزيعه، والنتيجة التي يتحمل السكان تبعاتها.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY