تثير التوغلات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة في ريفي القنيطرة ودرعا جنوبي سوريا مخاوف من محاولات فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، في ظل تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار وتقييد حركة السكان، وسط تساؤلات بشأن الأهداف السياسية والأمنية لهذه العمليات، واحتمالات استمرارها أو تحولها إلى مواجهة أوسع.
ويرى المحلل السياسي باسل معراوي أن التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري تأتي ضمن تحول استراتيجي في التعامل مع الأراضي المحتلة، يقوم على الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية وتقليص الوجود السكاني، بما يحد من الأعباء الأمنية والسياسية المرتبطة بإدارة المجتمعات المحلية.
ويوضح معراوي، في حديثه لـ”قدس برس”، أن جذور هذه المقاربة تعود إلى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، بالتزامن مع استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والاعتماد على السلطة الفلسطينية لإدارة الشؤون المدنية للسكان.
ويشير إلى أن هذه السياسة تعززت بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأصبحت تقوم على إضعاف مقومات الحياة في المناطق المستهدفة، ودفع سكانها تدريجياً إلى مغادرتها.
ويضيف أن ما يجري في القنيطرة ودرعا يعكس هذه المقاربة، من خلال تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار ومنع المزارعين والرعاة من الوصول إلى مصادر رزقهم، إلى جانب عمليات الاحتجاز المتكررة التي تنشر الخوف بين السكان.
ويعتبر أن هذه الممارسات قد تقود إلى تغيير ديموغرافي تدريجي دون الحاجة إلى قرارات تهجير معلنة، مشيراً إلى أن إسرائيل تفضل إقامة مناطق حدودية قليلة السكان، يسهل إخضاعها للرقابة العسكرية، بدلاً من الاعتماد على تشكيلات محلية حليفة كما فعلت سابقاً في جنوب لبنان.
فرض شروط جديدة على دمشق
ويؤكد معراوي أن دولة الاحتلال استغلت المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لمحاولة فرض ترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ويوضح أن المطالب الإسرائيلية تضمنت الاحتفاظ بمواقع عسكرية سيطرت عليها القوات المحتلة، وفي مقدمتها قمة جبل الشيخ، وفرض قيود على التعاون العسكري السوري التركي، إلى جانب الحصول على حرية الحركة في الأجواء السورية.
ويشير إلى أن إسرائيل حاولت أيضاً توظيف الملف الدرزي للضغط على دمشق وانتزاع مكاسب تتعلق بترتيبات الجنوب، معتبراً أن هذه المطالب تعكس رغبة في استغلال ضعف المؤسسات العسكرية السورية خلال المرحلة الانتقالية.
ويلفت إلى أن بعض التوغلات المتكررة يستهدف إحراج القيادة السورية أمام مواطنيها، وإظهار عجزها عن منع القوات الإسرائيلية من دخول القرى الحدودية، أكثر مما يستهدف تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة.
ويؤكد أن دمشق تدرك خطورة الانجرار إلى مواجهة قبل استكمال إعادة بناء الجيش وتطوير قدراته، خصوصاً منظومات الدفاع الجوي، ولذلك تعتمد المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية، مع التمسك بسيادتها ورفض أي ترتيبات تنتقص من حقوقها.
ويشدد على أهمية الاستفادة من القرارات الدولية التي تؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة، ومن المواقف الأممية الداعية إلى احترام اتفاق فض الاشتباك، باعتبارها أوراقاً قانونية وسياسية يمكن توظيفها للضغط على حكومة نتنياهو.
ثلاثة سيناريوهات للجنوب
ويطرح معراوي ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها التوصل إلى اتفاق أمني بعد الانتخابات الإسرائيلية بضغط أمريكي، مشيراً إلى أن المفاوضات قطعت، وفق تقديراته، شوطاً كبيراً، وأن نحو 90 بالمئة من الترتيبات المقترحة أُنجزت، بينما تعرقل الخلافات السياسية الإعلان عن اتفاق نهائي.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل باستمرار التوغلات مع بقاء نتنياهو في السلطة، ما يفرض على دمشق تعزيز صمود السكان المحليين ومساعدتهم على البقاء في أراضيهم، باعتبار ذلك عاملاً أساسياً في مواجهة الضغوط التي قد تؤدي إلى النزوح.
ويتمثل السيناريو الثالث في اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة نتيجة حادث ميداني أو تصعيد يصعب احتواؤه، غير أن معراوي يستبعد سماح واشنطن بوصول الأوضاع إلى هذا المستوى، نظراً إلى انعكاساته على مصالحها الإقليمية.
حسابات نتنياهو والتحولات الأمنية
من جانبه، يرى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل أن تصاعد التوغلات يرتبط بفقدان دولة الاحتلال حالة الاستقرار الحدودي التي سادت خلال حكم النظام السابق، والتحولات التي طرأت على عقيدتها الأمنية عقب السابع من أكتوبر 2023.
ويوضح خليل، في حديثه لـ”قدس برس”، أن تل أبيب انتقلت إلى سياسة إنشاء الأحزمة الأمنية ونقل المواجهات المحتملة إلى أراضي الآخرين، تحت ذريعة منع تكرار الهجمات على حدودها.
ويشير إلى أن الاعتبارات الأمنية لا تفسر وحدها استمرار التصعيد، إذ يوظف نتنياهو الأزمات العسكرية لتعزيز موقعه السياسي، في ظل الملاحقات القضائية والخلافات الداخلية والجدل بشأن الإخفاقات الأمنية.
ويعتبر أن العمليات العسكرية في سوريا تفتقر إلى استراتيجية سياسية واضحة، مشيراً إلى انتقادات داخل إسرائيل بشأن استمرار العمليات دون تحقيق مكاسب سياسية مستدامة، أو استثمار فرص التوصل إلى تفاهمات أمنية مع دمشق.
ويؤكد أن سوريا الجديدة لا تمثل تهديداً متقدماً في سلم الأولويات الأمنية الإسرائيلية، وأن الملف السوري لا يحتل موقعاً مركزياً في المنافسة الانتخابية، مقارنة بالقضايا الداخلية والملف الفلسطيني.
التوغلات أوراق تفاوضية
ويستبعد خليل أن يكون الوجود العسكري الحالي دائماً بالضرورة، معتبراً أن دولة الاحتلال تستخدمه ورقة ضغط لانتزاع شروط تفاوضية خلال المرحلة الانتقالية السورية.
ويلفت إلى أن تحسن علاقات دمشق الإقليمية والدولية، ولا سيما مع واشنطن، قد يحد من قدرة نتنياهو على فرض مطالبه، في ظل المصالح الأمريكية المرتبطة باستقرار سوريا.
ويشير إلى أن دمشق اختارت نقل المواجهة إلى الميدان الدبلوماسي والقانوني، مستفيدة من القرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 497 الذي يعتبر الإجراءات الإسرائيلية لفرض السيادة على الجولان السوري المحتل باطلة.
ويخلص إلى أن الوصول إلى اتفاق مستقر سيبقى صعباً في ظل استمرار نتنياهو في استخدام التصعيد العسكري أداة سياسية، فيما تراهن دمشق على الضغوط الدولية وتجنب المواجهة المباشرة، لمنع تحول التوغلات إلى وجود احتلالي طويل الأمد.
وتتقاطع قراءتا المحللين عند اعتبار المرحلة الانتقالية السورية فرصة تحاول إسرائيل استغلالها لفرض وقائع جديدة، فيما يبقى التحدي الأساسي أمام دمشق حماية سيادتها وتثبيت سكان المناطق الحدودية، ومنع تحول الإجراءات العسكرية المؤقتة إلى تغييرات جغرافية وديموغرافية دائمة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY