اعتبر السفير التشيلي السابق في عدد من الدول العربية نيلسون حداد، والممثل القانوني لمبادرة “أسطول الصمود العالمي” في تشيلي، أن اعتراض قوات الاحتلال الإسرائيلي سفن الأسطول في المياه الدولية يشكل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، مؤكدًا أن فريقًا من المحامين يدرس تقديم دعوى جنائية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وأوضح حداد في تصريحات لـ”قدس برس”، أن آخر المعطيات بشأن المشاركين التشيليين في الأسطول أشارت إلى أن عددهم كان ستة مواطنين، كانوا على متن قواربهم ضمن التشكيل البحري المتجه نحو قطاع غزة، مشيرًا إلى أنه كان هناك اتفاق بين إسرائيل واليونان وتشيلي لنقل المتطوعين إلى اليونان، ومن ثم بدء إجراءات ترحيلهم إلى بلدانهم.
وفي ما يتعلق بالصحفية التشيلية ماكارينا شهوان، قال حداد إنها أُفرج عنها وتمكنت من السفر إلى تركيا، حيث وصلت إلى إسطنبول، على أن تعود إلى سانتياغو خلال وقت قصير، في إطار ترتيبات العودة الجارية.
وأضاف أن وزارة الخارجية التشيلية قدّمت دعمًا عبر قنواتها القنصلية، ولا سيما من خلال القنصلية في اليونان، التي وُضعت في حالة جاهزية لمعالجة أي صعوبات قد تواجه المواطنين التشيليين وتأمين عودتهم ضمن إجراءات الترحيل.
وشدد حداد على أن اعتراض الأسطول في المياه الدولية يشكل “جريمة محددة” وفق القانون الدولي، مستندًا إلى المادة 87 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تنص على حرية الملاحة، لافتًا إلى أن السفن كانت في حالة مرور سلمي وهادئ، ودون أسلحة، وبهدف إنساني.
وقال إن ما جرى يمكن توصيفه قانونيًا باعتباره اعتراضًا غير قانوني، وجريمة اختطاف واحتجاز قسري، وقد يرقى، وفق بعض التكييفات، إلى عمل من أعمال القرصنة، خاصة أنه استهدف مدنيين كانوا يشاركون في مهمة إنسانية.
وأضاف أن ما رافق عملية الاحتجاز من استخدام للقوة ضد مدنيين، ولا سيما بحق من حاولوا مقاومة الاعتقال، يدخل ضمن جرائم قائمة بذاتها في القانون الدولي، تستوجب المحاسبة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وكشف حداد أن مجموعة من المحامين تعمل على إعداد دعوى جنائية دولية ضد نتنياهو، على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى جريمة الإبادة الجماعية، استنادًا إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وأوضح أن استخدام التجويع كوسيلة حرب يشكل عنصرًا من عناصر الإبادة الجماعية، مشيرًا إلى أن حرمان المدنيين، وخاصة الأطفال في قطاع غزة، من الغذاء والماء والإمدادات الأساسية، يعكس نية متعمدة بحرمانهم من شروط البقاء.
وانتقد حداد موقف وزارة الخارجية التشيلية، معربًا عن “خيبة أمله الكبيرة” من البيان الرسمي الذي اكتفى بالتعبير عن “القلق”، بدل إصدار إدانة واضحة وحازمة لما جرى.
وقال إن الموقف الرسمي التشيلي جاء “ضعيفًا ولينًا”، معتبرًا أن مثل هذه الصياغات لا تنتج ضغطًا سياسيًا أو قانونيًا حقيقيًا، بل تفتح هامشًا لاستمرار إسرائيل في ارتكاب الانتهاكات من دون عقاب.
وأشار إلى أن فريقه أبلغ نائب وزير الخارجية التشيلي بأن طبيعة الاعتداء، واستناده إلى انتهاك واضح لاتفاقية قانون البحار، كانا يفرضان موقفًا رسميًا أكثر حزمًا، كما فعلت دول أخرى بينها إيطاليا وكولومبيا.
وفي السياق ذاته، انتقدت الجالية الفلسطينية في تشيلي موقف الحكومة، معربة في بيان تلقته “قدس برس”، عن “بالغ قلقها واستنكارها وخيبة أملها” إزاء اكتفاء السلطات التشيلية بـ”التعبير عن القلق” حيال احتجاز المواطنة التشيلية ماكارينا شهوان في المياه الدولية، معتبرة أن ما جرى يمثل “اختطافًا غير قانوني وتعسفيًا” وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
وأكدت الجالية أن رد الحكومة “غير كافٍ”، ولا يرقى إلى مستوى الحادثة، مطالبة بموقف واضح يتضمن إدانة صريحة ومطلبًا مباشرًا بالإفراج الفوري وغير المشروط، لا الاكتفاء بالإجراءات الدبلوماسية والمتابعة القنصلية.
وحذرت من وجود قوارب أخرى على متنها مواطنون تشيليون يواصلون طريقهم نحو غزة، معتبرة أن أي تكرار للحادثة سيجعل مسؤولية الدولة التشيلية في حماية مواطنيها “أكثر وضوحًا وإلحاحًا”.
وشددت الجالية على أن السياسة الخارجية التشيلية قامت تاريخيًا على احترام القانون الدولي والدفاع عن حقوق الإنسان، معتبرة أن هذا الإرث لا يجوز إضعافه، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية مواطنين تشيليين في مواجهة أعمال غير قانونية.
وختمت الجالية بيانها بالدعوة إلى تصحيح الموقف الرسمي، ورفع مستوى الرد، والتحرك “بوضوح واتساق وحزم”، مؤكدة أن “الدفاع عن مواطنينا لا يحتمل الغموض”.
وجاءت هذه التطورات في أعقاب عملية نفذتها قوات تابعة لبحرية الاحتلال فجر الخميس 30 نيسان/أبريل الماضي حيث سيطرت على سفن “أسطول الصمود” في المياه الدولية قبالة سواحل جزيرة كريت، قبل وصولها إلى قطاع غزة. وكان الأسطول يضم مئات المتطوعين المشاركين على متن عشرات القوارب الصغيرة في مهمة إنسانية تهدف إلى كسر الحصار المفروض من قبل إسرائيل على القطاع منذ سنوات.
وتندرج هذه المستجدات ضمن سياق سياسي مغاير للنهج الذي حكم العلاقة بين سانتياغو و”تل أبيب” خلال ولاية الرئيس التشيلي السابق غابرييل بوريك، إذ شهدت تلك الفترة تصاعدًا في التوتر، على خلفية المواقف التشيلية المنتقدة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والداعمة للمسارات القضائية الدولية الهادفة إلى محاسبة قادة الاحتلال.
وفي المقابل، تستند الأوساط القريبة من الرئيس الحالي خوسيه أنطونيو كاست إلى هذا الإرث السياسي لتبرير ما تصفه بـ”تغيير المسار” وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية.
وكان مرشح أقصى اليمين خوسيه أنطونيو كاست قد فاز في جولة الإعادة الرئاسية التي أُجريت في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، بعدما حصد نحو 58 بالمئة من الأصوات، مقابل نحو 42 بالمئة لمنافسته مرشحة اليسار جانيت خارا. وقد تسلّم كاست مهامه رسميًا في 11 آذار/مارس 2026، في تحول سياسي واضح نحو اليمين في تشيلي.
ويكتسب هذا التحول حساسية خاصة في تشيلي، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات الفلسطينية خارج العالم العربي، ما يجعل الملف الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة في التوازنات السياسية والدبلوماسية الداخلية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY