قال رئيس مركز “ريكونسنس” للبحوث والدراسات (مستقل مقره الكويت)، عبدالعزيز العنجري، إن فهم الدور الأمريكي في المنطقة لا يمكن فصله عن فهم عمل جماعات الضغط داخل النظام السياسي الأمريكي، موضحًا أن اللوبي ليس كيانًا سريًا، بل نشاط مؤسسي منظم يعمل ضمن الأطر القانونية في البيئات الديمقراطية.
وأضاف العنجري، في حديثه لبودكاست “روايتهم”، أن جماعات الضغط لا تزدهر إلا في أنظمة تقوم على الانتخابات وتنافس المصالح، حيث يحتاج المسؤولون المنتخبون والمعيّنون إلى الأصوات والتمويل والصورة العامة، ما يمنح هذه الجماعات قدرة على التأثير ليس فقط في القرارات، بل في الوصول أصلًا إلى مواقع صنع القرار.
وأوضح أن اللوبي الناجح لا ينتظر لحظة التصويت أو القرار الرسمي، بل يعمل قبل ذلك بسنوات على تشكيل المزاج العام، وصناعة الخطاب الإعلامي، وبناء الإطار الذي يتحرك داخله صانع القرار، مؤكدًا أن “التأثير الحقيقي لا يُصنع في لحظة، بل يُبنى على مدى سنوات”.
وشبّه العنجري هذا النموذج بالفارق بين الصياد والمزارع، موضحًا أن الأول يبحث عن نتيجة سريعة، بينما الثاني يهيئ الأرض ويزرعها ويرعاها قبل الحصاد، مشيرًا إلى أن اللوبيات الناجحة تستثمر طويلًا في السياسة والإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث.
ولفت إلى أن مراكز الأبحاث تُعد من أبرز أدوات هذا التأثير، إذ لا تقتصر على إنتاج الدراسات، بل تساهم في إعداد الكوادر وصياغة السرديات وتقديم الأفكار التي تنتقل لاحقًا إلى الإعلام ومؤسسات الحكم، موضحًا أن الباحث قد ينتقل إلى موقع مسؤولية ثم يعود مجددًا إلى العمل البحثي ضمن شبكة تأثير مستمرة.
وقارن العنجري بين مراكز الأبحاث في العالم العربي ونظيراتها في الولايات المتحدة وأوروبا، معتبرًا أن كثيرًا من المراكز العربية يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بجهات حكومية، ما يجعل دورها أقرب إلى نقل السردية الرسمية والدفاع عنها، بدلًا من التحليل المستقل وتقييم السياسات.
وأضاف أن هذا الارتباط يحدّ من أثرها، في حين تعمل مراكز الأبحاث في الدول الديمقراطية، رغم ما قد تحمله من أجندات، بهامش أوسع يسمح لها بإنتاج أفكار تضغط على القرار بدل الاكتفاء بتبريره، وهو ما يجعل تأثيرها أكبر.
وبيّن أن من أبرز الأمثلة على ذلك لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، التي نجحت على مدى عقود في بناء نفوذ واسع داخل الولايات المتحدة عبر التمويل السياسي والعلاقات مع أعضاء الكونغرس والتأثير في النقاش العام حول قضايا الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن هذا النفوذ لا يقوم على المال فقط، بل على منظومة متكاملة تشمل الإعلام وإدارة السمعة وبناء العلاقات ودعم الحلفاء سياسيًا، ما يجعل كثيرًا من السياسيين يتجنبون الصدام معها.
وأضاف أن غياب التأثير العربي داخل مراكز القرار الغربية يعود أحيانًا إلى غياب الرؤية الموحدة والأهداف الواضحة، متسائلًا: كيف يمكن ممارسة ضغط فعّال دون تحديد دقيق لما يُراد تحقيقه أو اعتماد أدوات عمل منظمة؟
وأوضح أن العرب غالبًا ما يقفون في موقع المتابع، يراقبون جماعات الضغط وهي تبني النفوذ وتموّل الحملات وتصوغ السرديات، ثم يتوجهون لاحقًا إلى صانع القرار بخطاب متأخر يركز على الاعتبارات الأخلاقية والقانون الدولي.
كما أشار إلى وجود خلل في الأداء الإعلامي، لافتًا إلى أن منصات مؤثرة تُعرض أحيانًا للبيع دون تحرك عربي لامتلاكها، في وقت لا تحظى فيه بعض الفعاليات المؤيدة للقضايا العربية بتغطية إعلامية كافية رغم وقوعها في مراكز تأثير عالمية.
وختم العنجري بالقول إن المشكلة ليست في قوة اللوبيات بحد ذاتها، بل في غياب نماذج عربية موازية تعمل بشكل منظم واستراتيجي طويل الأمد، مؤكدًا أن التأثير الفعّال لا يقوم على الانتماءات أو الشعارات، بل على القناعات الواضحة والأهداف المحددة والعمل المستمر.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY