يتحوّل سؤال “هل لجوء الفلسطينيين في العراق سياسي أم إنساني؟” إلى معضلة يومية يعيشها آلاف اللاجئين في مواجهة الإجراءات الإدارية والتشريعات المتضاربة. فبعد إلغاء القوانين التي كانت تمنحهم استقراراً نسبياً، والعودة إلى قانون 51 لسنة 1971، وجد الفلسطيني نفسه أمام حالة قانونية مرتبكة تُلقي بظلالها على تفاصيل حياته الأساسية. هذا التقرير يرصد جذور الأزمة وتطوراتها، ويستعرض شهادات قانونيين وناشطين ولاجئين يواجهون واقعاً يزداد تعقيداً.
التكييف القانوني: بين المقيم واللاجئ السياسي
يؤكد المحامي العراقي وائل البياتي، أستاذ القانون، أن الحكومات العراقية منذ عام 1948 امتنعت عن منح الفلسطينيين صفة “لاجئين” رسمياً حفاظاً على حق العودة، وهو ما حال دون تسجيلهم لدى الوكالات الدولية. وفي العهد الملكي (انتهى عام 1957) صدر قانون “رسم طابع إنقاذ فلسطين” لتمويل شؤون الفلسطينيين، ثم جرى في عام 1965 استبدال وصف اللاجئ بوصف “الفلسطيني المقيم”، ليُعاملوا كضيوف حتى صدور القرار 202 عام 2001 الذي منحهم حقوقاً مماثلة للمواطن العراقي في التعليم والصحة والعمل، باستثناء الجنسية والحقوق السياسية.
لكن هذا الوضع تبدّل جذرياً بعد عام 2017 مع إلغاء القرار 202 وتطبيق قانون إقامة الأجانب رقم 76 لسنة 2017، ليُعامل الفلسطيني كأجنبي مقيم، ما أدى إلى خسارة حقوق مكتسبة وفرض قيود جديدة تتعلق بتجديد الإقامة واستحصال التأشيرات.
ولتجاوز الفراغ التشريعي، لجأت السلطات إلى منح الفلسطينيين صفة “لاجئ سياسي” وفق قانون اللاجئين السياسيين رقم 51، بما يضمن حماية قانونية ويمنع الإبعاد القسري. غير أن البياتي يرى أن هذا الحل مؤقت ولا يعالج التناقضات القائمة مع قوانين التقاعد والعمل والتملك، مشدداً على ضرورة إصدار قانون خاص ينظم وضع الفلسطينيين بنصوص واضحة تستثنيهم من معاملة الأجانب في قوانين الخدمة المدنية والعمل والضمان الاجتماعي والتقاعد.
التفاهمات الميدانية ومحاولات التسهيل
في المقابل، يشير أحمد زيدان المحمود، رئيس مجلس وجهاء فلسطينيو العراق، إلى تفاهمات حديثة بين سفارة السلطة الفلسطينية واللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين في وزارة الداخلية، ركزت على تسهيل إصدار وتجديد هويات الإقامة لمن تأخر أكثر من شهر. ويؤكد أن اللجنة طوّرت آليات عملها وسلمت هويات جديدة لعائلات عدة خلال أسبوع واحد، ما يعكس استمرار جهود التسهيل.
لكن المحمود يلفت إلى غياب أي مساعٍ برلمانية أو حكومية لتشريع قانون جديد ينظم حياة اللاجئين الفلسطينيين، واصفاً الحلول الحالية بأنها “ترقيعية”. ويشير إلى أن مطالبات الجهات الرسمية وغير الرسمية للتدخل لدى البرلمان من أجل تعديل قانون إقامة الأجانب لم تلقَ أي استجابة.
معاناة يومية ومصادرة حقوق
الناشط الفلسطيني محمد العبد الله يوضح أن إلغاء القرار 202 خلّف آثاراً قاسية على حياة اللاجئين، إذ حُرمت عائلاتهم من الراتب التقاعدي بعد وفاة المعيل، وحُرم الموظفون من التسجيل في الضمان الاجتماعي ومن التعويضات المرتبطة بالعمليات الإرهابية، رغم سقوط شهداء فلسطينيين في الموصل وبغداد. كما لم يعد للفلسطيني الحق في تملك منزل واحد للسكن، ووصل الأمر إلى منعه من العمل كسائق أجرة.
ويضيف أن القيود المفروضة على السفر فاقمت معاناة اللاجئين، خصوصاً من يحتاجون للعلاج أو الدراسة خارج العراق، أو من يرغبون في لقاء أفراد عائلاتهم الذين يصعب عليهم العودة. ويشير إلى أن القيود التي تفرضها اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين تمنع كثيرين من السفر أو البقاء خارج العراق لأكثر من شهر، ما خلق “شتاتاً داخل الشتات”.
المعايير الدولية والبعد الإنساني
وترى الكاتبة الصحفية الفلسطينية المقيمة في العراق، أمل صقر، أن ما يجري هو “سلب ممنهج لحقوق اللاجئ الفلسطيني”، سواء بدافع طائفي أو نتيجة جهل بمفهوم اللجوء. وتعتبر أن منح الفلسطيني صفة لاجئ وتأسيس لجنة دائمة لشؤون اللاجئين، ثم شمله بقانون الأجانب رقم 76، يمثل تناقضاً خطيراً ينفي عنه صفة اللجوء ويضعه في خانة الأجنبي المقيم، بينما يجري التعامل معه في اللجنة وفق قانون اللاجئين السياسيين رقم 51.
وتصف صقر ما يتعرض له اللاجئون بأنه “اضطهاد جماعي”، مشيرة إلى القيود المتزايدة التي تجعل من أبسط الحقوق إنجازاً يُحتفى به، مثل السماح بإصدار بطاقة دفع إلكتروني. وتنتقد غياب دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، معتبرة أن وجودها “شكلي” ولا يقدم حماية فعلية، بل يترك اللاجئين يواجهون واقعاً قاسياً في بلد لم يعد صالحاً للجوء.
وتؤكد أن استمرار هذا الوضع يشكل “جرحاً إنسانياً” يعمّق معاناة اللاجئين ويضعهم بين وهم الحماية وحقيقة التهميش.
توصيات لضمان حياة كريمة
وتختتم صقر بدعوة الحكومة العراقية إلى إصدار قانون خاص باللاجئين الفلسطينيين، بعيداً عن قانون الأجانب، أو على الأقل إعادة تفعيل القرار 202 الذي كان يعامل الفلسطيني معاملة العراقي في الحقوق والواجبات. وتطالب بأن تكون المعاملة كاملة باستثناء خدمة العلم، وأن يُمنح الفلسطينيون الجنسية العراقية مع الاحتفاظ بحق العودة، مؤكدة عدم وجود تعارض بين الأمرين.
وتعتبر أن إصدار تشريع خاص ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل واجب قانوني وأخلاقي ينسجم مع التزامات العراق الدولية، وأن استمرار الوضع الحالي يفاقم معاناة اللاجئين ويضعف صورة العراق كدولة تقول إنها تدعم القضية الفلسطينية.
وشهد الوجود الفلسطيني في العراق تحولات عميقة خلال العقدين الماضيين، إذ كان عددهم قبل الغزو الأميركي عام 2003 يُقدَّر بنحو 34 ألف فلسطيني، معظمهم يتركزون في بغداد، مع وجود مجموعات أقل في البصرة والموصل وبعقوبة.
وبعد انهيار الوضع الأمني وسقوط نظام صدام حسين، تعرّضت الجالية الفلسطينية لسلسلة من الانتهاكات والتهجير القسري، ما أدى إلى تراجع أعدادهم إلى ما بين 10 آلاف و13 ألف فقط، وفق تقديرات متقاطعة يصعب تحديدها بدقة بسبب ظروف النزوح المستمر.
وقد اضطر مئات منهم للعيش في مخيمات حدودية بعد رفض دخولهم إلى الأردن وسوريا، فيما أعيد توطين آخرين في دول ثالثة، في واحدة من أكثر موجات الشتات الفلسطيني تعقيداً خارج فلسطين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY