مع بدء العدوان الإسرائيلي على إيران، تجدد الجدل في الشارع العربي حول “من هو العدو؟”. هذا الجدل لا يعكس مجرد خلاف فكري بين تيارات عربية متباينة، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالبنية الثقافية والدينية، وبالأخص في ما يتعلق بعلاقة المذاهب ببعضها البعض، وعلاقتها بالأنظمة السياسية الحاكمة.
ففي الوقت الذي يرى فيه بعض العرب أن إيران تمثل طرفًا مقاومًا للمشروع الصهيوني ويبررون تحالفاتها بناءً على هذا الأساس، يعتبر آخرون أنها، تمارس سياسات توسعية وطائفية في المنطقة، ما يجعلها “عدوًا مشتركًا” إلى جانب “إسرائيل”.
وتبرز في هذا السياق أسئلة جوهرية وملحّة، لعلّ أبرزها: هل ما تزال القضية الفلسطينية تمثل مركز الصراع في الوعي العربي؟ أم أن تعقيدات المصالح وتداخل السياسات الإقليمية والدولية قد أفرزت أولويات وهمية أصبحت في نظر البعض محورية.
انقسام عربي يعكس التوترات الأيديولوجية والطائفية
يرى الأمين العام لـ “المنتدى العالمي للوسطية” (مقره عمّان)، مروان الفاعوري، في حديثه لـ”قدس برس”، أن “موقف الشارع العربي من العدوان الإسرائيلي على إيران، منقسم ومشحون بالتناقضات، ويعكس التوترات الأيديولوجية والطائفية والسياسية والإقليمية في العالم العربي”.
ويضيف: “لكنّه، بوجه عام، وخاصة في أوساط الشعوب والأحزاب في العالمين العربي والإسلامي التي ما تزال تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية، فإن موقفها هو رفض وإدانة العدوان الإسرائيلي على إيران”.
وأشار الفاعوري إلى أن “هناك أصواتًا استحضرت الصراع المذهبي السني – الشيعي، وجرائم إيران في سوريا واليمن والعراق، وساهمت في تشكيل رأي عام صامت يعبر عن فرحه بضرب إيران ومحاولة إنهاء مشروعها الإقليمي”.
وشدد على أن هذه الأصوات “تخدم مصالح أمريكا والغرب و”إسرائيل”، وتصب في مصلحة أهداف العدوان.
ولفت إلى أن “الواجب أن نلتقي مع إيران في مشروعها الهادف إلى إزالة الخطر الصهيوني، فهذا هو التهديد الحقيقي والوحيد لمنطقتنا وأمتنا”.
إعادة تشكيل بوصلة العداء
من جانبه، أكد الأكاديمي في التاريخ والعلاقات الدولية، والباحث في دراسات الاستخبارات وجماعات الضغط، عبدالرحمن الفرّا، أن “إعادة تشكيل بوصلة العداء إبّان الثورة السورية كانت تلقائية، نتيجة تدخل إيران وأذرعها الإقليمية لحماية نظام الأسد وقمع الشعب السوري، وهو ما خدم – دون قصد – العدو الصهيوني والمنظومة الغربية في منطقتنا”.
وأوضح أن “نخبوية التفكير تفرض علينا أن نتعامل مع الواقع بمنطقية، آخِذين بعين الاعتبار حجم المخاطر التي تواجهنا، مما يتطلب إعادة ترتيب الأولويات كأمة”.
وطالب الفرّا بـ”إعادة تحديد العدو المركزي”، معتبرًا أن “هذا الدور لا يقتصر على جهة بعينها، بل هو مسؤولية جماعية، فنحن في معركة مفتوحة مع العدو الإسرائيلي على كافة المستويات: الفكرية والسياسية والدينية”.
المؤسسات الدينية الرسمية… حيادية سلبية
في سياق متصل، رأى الكاتب والباحث في الفكر الإسلامي وشؤون الحركات الإسلامية، بسام ناصر، أن “المؤسسة الدينية الرسمية في العالمين العربي والإسلامي وُجدت لخدمة السلطة السياسية وتبرير قراراتها”، معتبرًا أن موقفها من العدوان الإسرائيلي على إيران “مرتبط بالكامل بموقف الأنظمة التي تتبع لها، ولا يمكن فهم هذا الموقف خارج سياقه السياسي”.
تباين سني – سني حول العدوان
أشار ناصر إلى أن “الانقسام في المواقف لم يقتصر على البُعد المذهبي، بل طال حتى الحركات الإسلامية السنّية”، مستشهدًا بالرسالة التي بعث بها، مؤخرا، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، صلاح عبد الحق، إلى المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، والتي عبّرت عن تضامن الجماعة مع إيران.
وأوضح أن “الإخوان المسلمين في سوريا سارعوا إلى التبرؤ من تلك الرسالة، مؤكدين أن إيران تمتلك مشروعًا توسعيًا طائفيًا دمويًا”.
وأضاف: “هذا التباين قد يتطور إلى افتراق كامل، وهو ما يتطلب مراجعات جادة وعميقة”، في إشارة إلى أن “الاختلاف حول تحديد العدو المركزي يمثل خطرًا كبيرًا على تماسك إحدى أقدم وأكبر الحركات الإسلامية في العالم”.
ومع ذلك، شدد ناصر على أن “الجماهير العربية لا تزال ترى في إسرائيل العدو الأول والأخطر، ومن المؤكد أن العدوان على إيران سيؤدي إلى ارتفاع رصيدها (إيران) في الوجدان الشعبي، وربما يدفع إلى إعادة النظر في الروايات الطائفية التي روّجت لها المؤسسات الدينية الرسمية على مدى العقود الماضية”.
ويشار إلى أن منصات التواصل الاجتماعي، امتلئت منذ بدء العدوان على إيران، بمقاطع فيديو لرجال دين وفقهاء، يتحدثون عن رأيهم الشرعي حول الموقف من ذلك العدوان، وبدت تلك الأراء متباينة إلى حد كبير جدا، خلق حالة من الحيرة لدى المستمعين لتلك الآراء. فيما أكد أكاديمي في أحد كليات الشريعة باحدى الجامعات الأردنية، فضل عدم الكشف عن اسمه، على أن “رفض العدوان على إيران والاستبشار بصواريخها على الاحتلال، لا يحتاج أساسا إلى رأي شرعي… العدو وعدوانه أكثر وضوحا من تلك الآراء” على حد تعبيره، متحدثا لـ “قدس برس”
وفي فجر الجمعة 13 حزيران/يونيو الجاري، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبدعم ضمني من الولايات المتحدة، هجومًا واسعًا على إيران باستخدام أكثر من 200 مقاتلة، في عملية حملت اسم “الأسد الصاعد”.
استهدفت العملية منشآت نووية، وقواعد صواريخ في مناطق مختلفة، ونفذت اغتيالات طالت قادة عسكريين بارزين وعلماء في المجال النووي.
وفي مساء اليوم نفسه، ردت إيران على الهجوم بسلسلة من الضربات الصاروخية الباليستية والطائرات المسيّرة، أسفرت عن عشرات القتلى ومئات المصابين، فضلًا عن أضرار مادية جسيمة طالت مباني ومركبات، بحسب وسائل إعلام عبرية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY