لم تكن عودة سكان المناطق التي شهدت العملية العسكرية الواسعة في مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، مجرد رجوع إلى منازلهم بعد أيام من التهجير القسري، فقد واجه كثيرون مشاهد من الدمار والتخريب والنهب، بعدما وجدوا ممتلكاتهم وقد تعرضت للعبث والتكسير، فيما فقدت عائلات مقتنيات شخصية وأموالاً ووثائق ومصاغاً ذهبياً.
ومع انسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي فرضت عليها الإغلاق، بدأ السكان تفقد منازلهم ومحالهم التجارية ومكاتبهم، في مشهد امتزجت فيه فرحة العودة بصدمة حجم الأضرار، التي لم تقتصر على الممتلكات الخاصة، بل امتدت إلى المنشآت التجارية والاقتصادية، وألقت بظلالها على الحياة اليومية في المدينة.
وفي شهادة خاصة لـ”قدس برس”، عبّر أحد سكان عائلة القواسمي عن سعادته بالعودة إلى منزله، رغم ما وجده من تخريب ودمار خلّفته قوات الاحتلال خلال اقتحام المنطقة، مؤكداً أن فرحة العودة إلى البيت لا توصف، على الرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت به.
وتعكس هذه الشهادة حال عائلات عادت إلى منازلها بعد أيام من التهجير، لتجد نفسها أمام مهمة تفقد الممتلكات وحصر الخسائر، ومحاولة استعادة تفاصيل حياتها التي أربكتها العملية العسكرية.
وفي شهادة أخرى لـ”قدس برس”، تحدثت مواطنة من عائلة حسونة عن فقدان قطع ذهبية من مقتنيات العائلة، عقب تهجيرها من المنزل واقتحامه من قبل قوات الاحتلال، موضحة أن أفراد العائلة اكتشفوا اختفاء تلك القطع بعد عودتهم وتفقد ممتلكاتهم.
وتضاف هذه الواقعة إلى إفادات سكان تحدثوا عن فقدان أموال ومقتنيات شخصية ووثائق، فضلاً عن تعرض الأثاث والأبواب ومحتويات المنازل للتكسير والتخريب، ما جعل عودة بعض العائلات تبدأ بحصر ما فُقد وتحديد ما تعرض للتلف.
منازل ومكاتب تعرضت للتخريب والنهب
وفي شهادات نشرها سكان من الخليل، تحدث حجازي شاور التميمي عن تعرض منزله للنهب والتخريب، وفقدان مقتنيات شملت ذهباً وأموالاً وأختاماً ووثائق، إضافة إلى مجسم لقبة الصخرة.
كما أفاد عبيدة مجاهد بتعرض مقر شركة للإنتاج الإعلامي يملكها في منطقة دوار الجلدة للنهب والتخريب، وسرقة معدات وأجهزة، بينها كاميرات وحواسيب وثلاجة صغيرة، إلى جانب تضرر الأبواب، مقدراً خسائر الشركة بأكثر من 100 ألف شيقل.
وقال أسامة شاور إن منازل أربعة من أبنائه تعرضت للتخريب، وشملت الأضرار الأبواب والأثاث ومقتنيات شخصية، بينها ألعاب الأطفال والعطور والنقود والحصالات.
وتظهر هذه الإفادات اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية، من المنازل إلى المكاتب والشركات والمرافق التجارية، بما شمل معدات وأدوات عمل يعتمد عليها أصحابها في إدارة أعمالهم وتأمين مصادر دخلهم.
خسائر اقتصادية وتعطل للحياة اليومية
وعلى صعيد الأضرار الاقتصادية، كشفت تقديرات محلية عن خسائر واسعة لحقت بالقطاع التجاري والمنشآت الاقتصادية في المدينة؛ إذ أفادت بيانات غرفة تجارة وصناعة الخليل بإغلاق 327 محلاً تجارياً، وتدمير 15 منشأة بشكل كامل، فضلاً عن تجاوز الخسائر المباشرة اليومية 12 مليون شيقل.
كما قُدرت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بأكثر من 6 ملايين شيقل، فيما تجاوزت خسائر القطاعين الصحي والبيئي 500 ألف شيقل، بالتزامن مع فقدان نحو 1350 شخصاً أعمالهم أو مصادر دخلهم خلال فترة العملية والإغلاق.
وامتدت التداعيات إلى العمال والموظفين والعائلات التي تعتمد على النشاط التجاري في تلك المناطق، مع توقف أعمال المحال والمنشآت وتعطل الحركة في الأسواق، ما زاد الأعباء المعيشية على السكان وأصحاب المصالح.
دعوات للتضامن وإعادة الحياة إلى الأسواق
وفي مواجهة هذه الخسائر، أطلق نشطاء دعوات إلى زيارة المناطق التي كانت خاضعة للإغلاق خلال العملية العسكرية، والتسوق من محالها التجارية، دعماً لأصحاب المتاجر والعائلات التي تضررت مصادر رزقها بفعل الإغلاق وتعطيل النشاط الاقتصادي.
وتهدف هذه المبادرات إلى تحويل التضامن مع السكان إلى خطوات عملية، من خلال تنشيط الحركة التجارية وإعادة الزبائن إلى الأسواق، ومساندة أصحاب المحال في تجاوز الخسائر التي تكبدوها خلال فترة العملية.
كما برزت مبادرات مجتمعية للمشاركة في إصلاح الأضرار التي لحقت بالمنازل والمنشآت، ومساعدة العائلات في تنظيف منازلها وإزالة آثار التخريب، إلى جانب تقديم العون لها في ترتيب ممتلكاتها واستعادة ظروف معيشية طبيعية.
وتؤكد هذه التحركات أهمية الدور المجتمعي في مساندة الأهالي، سواء عبر دعم مصالحهم التجارية أو المشاركة الميدانية في معالجة آثار الدمار، بما يخفف من الأعباء التي خلفتها العملية العسكرية.
مخاطر مستمرة بعد الانسحاب
ورغم انسحاب قوات الاحتلال، لا تزال تداعيات العملية حاضرة، في ظل الأضرار التي لحقت ببعض المباني والمرافق، والمخاوف من وجود أجسام مشبوهة أو مخلفات قد تشكل خطراً على السكان، ولا سيما الأطفال.
وكانت جهات مختصة قد حذرت الأهالي من الاقتراب من الأجسام مجهولة المصدر أو العبث بها، ودعت إلى عدم دخول المباني المتضررة قبل التأكد من سلامتها، تجنباً للمخاطر الناجمة عن الأضرار الإنشائية أو المخلفات التي قد تكون خلفتها القوات خلال العملية.
وامتدت آثار العملية كذلك إلى القطاع التعليمي، إذ اضطرت مؤسسات تعليمية إلى تعديل ترتيبات الدوام والتعلم، في ظل القيود والإغلاقات والأوضاع الميدانية التي شهدتها المدينة، وما رافقها من تعطيل للحياة الطبيعية للطلبة والمعلمين.
العودة لا تعني انتهاء المعاناة
وبين فرحة عائلة القواسمي بالعودة إلى منزلها، وفقدان عائلة حسونة قطعاً من مصاغها الذهبي، وشهادات السكان عن نهب المنازل وتخريب المكاتب والمنشآت، تتكشف جوانب من آثار العملية العسكرية في الخليل، التي لم تنته بانسحاب قوات الاحتلال.
فالعائلات العائدة تواجه تحديات إعادة ترتيب حياتها وإصلاح الأضرار وحصر الممتلكات المفقودة، فيما لا تزال الخسائر الاقتصادية والاجتماعية تثقل كاهل المدينة وسكانها.
وفي المقابل، تشكل دعوات التسوق من المناطق المتضررة والمبادرات المجتمعية لتنظيف المنازل وإصلاح الأضرار مسارات عملية لإسناد الأهالي، ومساعدتهم على استعادة نشاطهم الاقتصادي وحياتهم اليومية، بعد ما خلفته العملية من دمار وخسائر.
وانسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الاثنين، من الأحياء التي اقتحمتها وحاصرتها في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، بعد عدوان عسكري استمر عشرة أيام، وأسفر عن دمار واسع في البنية التحتية والمنازل، وتهجير مئات العائلات قسراً.
وكانت قوات الاحتلال قد بدأت عدوانها على الخليل في 23 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عقب عملية إطلاق نار استهدفت حاجزاً عسكرياً عند المدخل الشمالي للمدينة، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، فيما استشهد منفذا العملية.
وفرضت قوات الاحتلال حصاراً مشدداً على مناطق واسعة من المدينة، ولا سيما أحياء الجلدة وعين دير بحة وخلة المغاربة، وأغلقت الطرق والمداخل، وداهمت منازل المواطنين وفتشتها، وحولت عدداً منها إلى مواقع عسكرية، وسط إجبار مئات العائلات على النزوح القسري.
ووفق معطيات بلدية الخليل ولجان الإغاثة، أدى العدوان إلى تهجير 537 عائلة تضم نحو 3361 مواطناً، فيما تجاوز عدد المتضررين من إجراءات الاحتلال 3300 مواطن.
كما فجرت قوات الاحتلال منازل ومنشآت، وأغلقت 327 محلاً تجارياً، في حين تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الإغلاقات 12 مليون شيقل يومياً، إلى جانب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الخدمية.
وطالت تداعيات العدوان القطاع التعليمي، حيث حُرم عشرات آلاف الطلبة من الوصول إلى مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية، نتيجة القيود العسكرية وإغلاق الطرق والأحياء السكنية.
ومع انسحاب قوات الاحتلال، بدأت العائلات النازحة العودة إلى منازلها، وسط مشاهد تفقد الدمار والأضرار التي خلفها العدوان، في وقت تستعد فيه البلدية لحصر الخسائر وتقييم الاحتياجات اللازمة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY