لم يكن مؤيد محمود يتوقع أن تتحول المساحة المحيطة بمتجره في قرية اللبن الشرقية، جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، إلى مصدر جديد للقلق والضغط على مصدر رزقه؛ فمنذ أن نصب مستوطنون مئات ساريات الأعلام الإسرائيلية على امتداد الطريق ومحيط المتاجر والمنازل، أصبح الوصول إلى متجره أكثر صعوبة، بحسب إفادته.
يجلس محمود أمام متجره، فيما تنتصب ساريات الأعلام على مقربة من المكان، مشهد يقول إنه لم يعد بالنسبة إليه مجرد تغيير في شكل الطريق، بل واقعاً يلمسه يومياً من خلال حركة الزبائن والمركبات وصعوبة الوصول إلى المحل.
وقال محمود خلال لقائه “قدس برس”، إن “الساريات التي نُصبت أمام متجره ومحيطه أعاقت الوصول إليه، وإنه حاول اللجوء إلى الشرطة الإسرائيلية للإبلاغ عن المشكلة”، إلا أنه تلقى، بحسب روايته، طلباً بعدم إزالة الأعلام.
بالنسبة إلى التاجر، لم تكن المشكلة في الأعلام بحد ذاتها فقط، وإنما في الطريقة التي وُضعت بها، وفي تحولها إلى عوائق مادية تقف أمام متجره ومصدر رزقه.
وأضاف محمود، إن “استمرار الوضع على هذا النحو ينعكس على عمله، في وقت يجد نفسه فيه أمام خيارات محدودة للتعامل مع ما يحدث، خصوصاً أن أي محاولة لإزالة الساريات أو الاعتراض عليها قد تضعه، بحسب مخاوفه، في مواجهة مع المستوطنين”.
ولا يتوقف القلق عند الخسارة الاقتصادية المحتملة، فمحمود يتحدث أيضاً عن شعور متزايد بعدم الأمان، وعن خشية من أن يتحول الاعتراض على هذه الممارسات إلى سبب لمزيد من المضايقات أو الاعتداءات.
قصة محمود تفتح الباب على مشهد أوسع في اللبن الشرقية، حيث لم تقتصر عملية نصب الأعلام على نقطة واحدة، بل امتدت إلى أجزاء من الطرق الخارجية ومناطق يستخدمها السكان الفلسطينيون بصورة يومية.
الأعلام الإسرائيلية تحاصر المتاجر الفلسطينية
وبالنسبة إلى أهالي القرية، فإن انتشار الساريات على طول الطرق وفي محيط التجمعات السكنية يثير تساؤلات حول الغاية من تكثيف هذا الحضور في المجال العام، خصوصاً عندما يترافق مع إعاقة الوصول إلى بعض المنازل والمتاجر.
ويرى سكان أن وضع الأعلام بكثافة على الطرق الخارجية يتجاوز، في نظرهم، مسألة رفع علم أو الاحتفال بمناسبة، ليصبح وسيلة لإظهار الحضور وفرض واقع بصري وميداني على المكان. أما دوافع المستوطنين، فتحتاج إلى توثيق وتصريحات مباشرة منهم أو من الجهات التي تقف وراء هذه الممارسات.
ويتابع محمود مستغربا مستنكرا: “لم أفهم لماذا، عندما ألجأ إلى الشرطة الإسرائيلية طالباً إزالة ما يعيق الوصول إلى متجري، طُلب مني ألا أزيل الأعلام”.
وأضاف متسائلاً: “أنا صاحب المحل، وهذه الساريات موضوعة أمام متجري وتعيق وصول الزبائن إليّ، فلماذا أُطلب أنا بعدم إزالتها؟ ومن يحمي حقي في الوصول إلى محلي وممارسة عملي؟”.
وتابع أن “ما يريده ليس أكثر من أن يبقى الطريق المؤدي إلى متجره مفتوحاً، وأن يتمكن هو وزبائنه من الوصول إليه بشكل طبيعي”، متسائلاً: “إذا كان هناك شيء موضوع أمام متجر إسرائيلي ويمنع صاحبه من الوصول إليه، هل كانت الشرطة ستتعامل معه بالطريقة نفسها؟ ولماذا عندما يكون المتضرر فلسطينياً يصبح الأمر مختلفاً؟”.
وزاد: “أنا لا أعرف على أي أساس وُضعت هذه الساريات هنا، ولا من سمح بوضعها، لكنني أعرف أنها أصبحت تؤثر على عملي وعلى حركة الناس إلى متجري. اتصلت بالشرطة لأنني توقعت أن تتدخل وتحل المشكلة، وليس أن يُطلب مني أن أترك الأمر كما هو”.
وقال إن “أكثر ما يثير مخاوفه هو أن اعتراضه على هذه الممارسات قد يجعله عرضة للمضايقة أو الاعتداء”، مضيفاً: “إذا حاولت إزالة السارية التي تعيق متجري، ماذا سيحدث لي؟ ومن سيحميني إذا تعرضت لاعتداء؟ وهل أستطيع أن أعترض على ما يحدث أمام محلي من دون أن أخاف من العواقب؟”.
وبينما يواصل محمود عمله أمام متجره، يرى أن القضية لم تعد مرتبطة بسارية أو علم واحد، وإنما بما تعنيه هذه الممارسات بالنسبة له ولأهالي القرية.
وأكمل: “اليوم الأعلام أمام المحلات وعلى الطرق، وغداً ماذا سيكون؟ نحن نريد أن نعيش ونشتغل في أماكننا من دون أن نشعر أن وجودنا نفسه أصبح موضع تهديد”.
يجلس محمود أمام متجره ويراقب الطريق، خلفه متجر يحاول أن يحافظ على أبوابه مفتوحة، وأمامه ساريات تحمل الأعلام وتضيّق المساحة التي يتحرك فيها.
وبين الاثنين، يختصر مشهد التاجر الفلسطيني سؤالاً أكبر: كيف يحافظ الإنسان على متجره ومصدر رزقه، عندما يصبح الوصول إلى المكان نفسه موضع نزاع، بل خطر يتهدد حياته.
تضييق وفرق وقائع استيطانية
يرى الناشط في مجال مقاومة الاستيطان عاهد غفري أن “ما يجري في بلدة اللبن الشرقية وغيرها من قرى الضفة الغربية من نصب مئات ساريات الأعلام على امتداد الطرق وفي محيط المحلات التجارية والمنازل، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مظهر احتفالي أو إجراء عابر، بل يأتي في سياق محاولات فرض الحضور الاستيطاني على الأرض الفلسطينية، وتغيير المشهد العام، والتضييق على المواطنين في تفاصيل حياتهم اليومية”.
وأشار إلى أن “وضع الساريات بطريقة تعيق الوصول إلى المتاجر والممتلكات الخاصة يحوّل هذه الممارسات إلى شكل من أشكال الضغط على السكان، ويهدد مصادر رزقهم وقدرتهم على مواصلة حياتهم الطبيعية”.
وأضاف غفري إلى أن “خطورة ما حدث مع التاجر مؤيد محمود تكمن في تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، إذ يجد المواطن الفلسطيني نفسه أمام معادلة صعبة بين الدفاع عن حقه في الوصول إلى متجره وممارسة عمله، وبين الخشية من التعرض لاعتداءات المستوطنين، في ظل ما يشعر به السكان من غياب الحماية الفعلية”.
وأوضح أن “عدم معالجة المأساة التي حصلت مع التاجر، يعزز مخاوف الأهالي من استمرار هذه الممارسات وتوسعها، ويبعث برسالة مفادها أن الفلسطيني قد يجد صعوبة حتى في حماية أبسط حقوقه المرتبطة بملكيته الخاصة ومصدر رزقه”.
وأكد غفري أن “ما يجري في العديد من القرى يستدعي توثيق هذه الانتهاكات ومتابعتها قانونياً وإعلامياً، وتسليط الضوء على آثارها المباشرة في حياة المواطنين، إلى جانب تعزيز صمود الأهالي وتضامنهم مع المتضررين”.
وحذر من أن “خطورة هذه الممارسات لا تقتصر على الأعلام والساريات بحد ذاتها، وإنما في احتمال تحولها إلى وسيلة لتضييق المساحات المتاحة للفلسطينيين وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يمس حقهم في الحركة والعمل والعيش بأمان في بلداتهم.”
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY