بعد ثلاثة أعوام على عملية السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا تزال تداعياتها حاضرة في المشهد الفلسطيني والإقليمي، في ظل استمرار تأثير الحرب التي أعقبتها على طبيعة الصراع، وموقع القضية الفلسطينية في الحسابات السياسية، فضلا عن بروز جبهات إسناد متعددة دخلت على خط المواجهة.
وفي قراءة لهذه المرحلة، يرى مسؤولون في “حزب الله” اللبناني وحركة “أنصار الله” اليمنية، تحدثوا لـ”قدس برس”، أن 7 أكتوبر شكّل نقطة تحول في مسار الصراع، وأن تداعياته لم تقتصر على الميدان الفلسطيني، بل امتدت إلى الإقليم، وأعادت طرح مفاهيم مثل “جبهات الإسناد” و”وحدة الساحات” في سياق المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.
7 أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة
ويصف عضو المجلس السياسي في “حزب الله” اللبناني غالب أبو زينب، عملية 7 أكتوبر بأنها “تاريخية ومفصلية” في تاريخ المنطقة، معتبرا أن ما تلاها أوجد واقعا مختلفا عما كان سائدا قبلها، ولا سيما على مستوى موقع القضية الفلسطينية ومسار العلاقات والتحولات الإقليمية.
وقال أبو زينب في تصريح خاص لـ”قدس برس” إن العملية أعادت التأكيد على مركزية فلسطين في الصراع، بعدما كان المسار السياسي في المنطقة يتجه، بحسب رؤيته، نحو تغييرات من شأنها تهميش القضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن ما جرى أعاد مسألة الاحتلال وطبيعته إلى واجهة المشهد السياسي.
ورأى أن الحرب وما رافقها من تطورات كشفت، بحسب وصفه، طبيعة العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والدول الغربية الداعمة له، معتبرا أن ذلك أسهم في تغيير نظرة قطاعات من الرأي العام العالمي إلى “إسرائيل”.
وأضاف أن ما بعد 7 أكتوبر شهد “تحولات سياسية كبرى” امتدت آثارها إلى ملفات مختلفة في المنطقة، معتبرا أن القضية الفلسطينية انتقلت إلى مسار جديد بعد أن كانت، وفق تقديره، تواجه محاولات لتهميشها.
جبهات الإسناد.. من التضامن إلى التأثير
وفي ما يتعلق بجبهات الإسناد، قال أبو زينب إن أهميتها لا تقتصر على البعد السياسي أو الأخلاقي، وإنما تكمن، وفق رؤيته، في منع عزل الفلسطينيين وقطاع غزة عن محيطهم الإقليمي.
واعتبر أن ما جرى منذ 7 أكتوبر حرّك، بحسب تعبيره، “البحر الساكن” في المنطقة، وأظهر أن فلسطين لا يمكن أن تُترك وحدها، مشيرا إلى مشاركة لبنان واليمن وغيرهما في مساندة القضية الفلسطينية.
ورأى أن هذه الجبهات أعادت الصراع إلى سياق إقليمي أوسع، معتبرا أن مفهوم “وحدة الساحات” لا يعني فقط الاشتباك العسكري، وإنما ينطلق من رؤية تعتبر ملفات المنطقة مترابطة وليست قضايا منفصلة لكل دولة.
وأوضح أبو زينب أن هذا المفهوم يقوم على اعتبار أن التطورات في فلسطين ولبنان وسوريا وسائر المنطقة مترابطة، وأن التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة يخدم، وفق رؤيته، سياسة تجزئة المنطقة.
وقال إن السنوات الثلاث الماضية أظهرت، بحسب تقديره، أهمية التنسيق السياسي والأمني والعسكري بين الأطراف التي انخرطت في مساندة الفلسطينيين، مشددا على أن هذه الوحدة، بأشكالها المختلفة، أصبحت عنصرا حاضرا في حسابات الصراع.
العملية غيّرت طبيعة المواجهة
من جهته، وصف عضو المكتب السياسي لحركة “أنصار الله” وعضو مجلس الشورى اليمني حزام الأسد، 7 أكتوبر بأنه “نقطة تحول تاريخية” في مسار الصراع، معتبرا أنها كشفت هشاشة المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهدين الإقليمي والدولي.
وقال الأسد في تصريح خاص لـ”قدس برس” إن العملية أظهرت قدرة الشعب الفلسطيني ومقاومته على المبادرة رغم فارق الإمكانات، كما كشفت، بحسب رؤيته، طبيعة الدعم الأمريكي والغربي للاحتلال، معتبرا أن الحرب أثبتت أن المواجهة لم تعد محصورة بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، وإنما باتت ذات أبعاد إقليمية ودولية.
وأشار إلى أن تعدد جبهات الإسناد والمواقف المساندة لفلسطين يعكس، وفق رؤيته، اتساع دائرة المواجهة التي نشأت بعد 7 أكتوبر.
وفي ما يتعلق باليمن، أوضح الأسد أن “الموقف اليمني انطلق من اعتبار القضية الفلسطينية قضية دينية وإنسانية وأخلاقية، وليس ملفا منفصلا عن أولويات اليمن”، مشيرا إلى أن “جبهة اليمن أضافت بعدا جديدا إلى معادلة المواجهة من خلال ربط الموقف اليمني بالتطورات في فلسطين”.
وأضاف أن “التجربة اليمنية أظهرت أن الجغرافيا لم تعد عائقا أمام المواقف الداعمة للفلسطينيين، وأن امتلاك القرار المستقل يمكن أن يترك أثرا في المعادلات الإقليمية”.
جبهات الإسناد توسعت وتحولت إلى عامل مؤثر
وفي السياق ذاته، قال عضو المكتب السياسي لـ”أنصار الله” علي الديلمي إن قراءة الحركة لنتائج السنوات الثلاث تقوم على أن “محور المقاومة والجهاد” أصبح أكثر نضجا، وأن الأطراف المنخرطة فيه باتت أكثر قدرة على قراءة نقاط القوة والضعف لديها ولدى خصومها.
وأشار الديلمي في تصريح خاص لـ”قدس برس” إلى أن السنوات التي أعقبت 7 أكتوبر أظهرت أهمية التنسيق بين جبهات الإسناد، معتبرا أن الأحداث أفرزت، بحسب تعبيره، استراتيجيات جديدة على أرض الواقع.
وقال إن “تداعيات العملية لم تتوقف عند النتائج المباشرة للحرب، وإنما لا تزال مستمرة”، معتبرا أن السنوات الثلاث أفضت إلى استخلاص دروس مرتبطة بآليات التحرك والاستعداد للمرحلة المقبلة.
ورأى أن “7 أكتوبر عزز مفهوم جبهات الإسناد ووسّع نطاقه”، لافتا إلى أن التجارب اليمنية واللبنانية والإيرانية والعراقية، بحسب رؤيته، أظهرت أن القضية الفلسطينية أصبحت عاملا مشتركا بين ساحات مختلفة.
القضية الفلسطينية أكثر حضورا
وبشأن مكانة فلسطين في الوعي اليمني، قال الأسد إن “القضية لم تكن جديدة على اليمن، لكنها أصبحت، بعد 7 أكتوبر والحرب التي أعقبتها، أكثر حضورا على المستويين الشعبي والسياسي”.
وأضاف أن “الموقف اليمني بات أكثر وضوحا في اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية، وأن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن فصلهما عن استمرار الاحتلال والحرب وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم”.
أما الديلمي، فقال إن “الدماء الفلسطينية واللبنانية واليمنية والإيرانية باتت مرتبطة بقضية واحدة”، معتبرا أن “التطورات منذ 7 أكتوبر عززت شعور الانتماء المشترك إلى القضية الفلسطينية”.
ماذا بعد ثلاثة أعوام؟
وفي قراءته لمستقبل المواجهة، قال الأسد إنه من الصعب اختزال نتائج 7 أكتوبر في نتيجة عسكرية آنية، معتبرا أن “ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله”، وأن طبيعة الصراع وحسابات الأطراف المختلفة تغيرت.
وأضاف أن الاحتلال، رغم تفوقه العسكري، لم يتمكن، وفق تقديره، من إنهاء القضية الفلسطينية أو القضاء على إرادة الفلسطينيين ومقاومتهم، مشيرا إلى أن مستقبل المنطقة يرتبط بمعالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم.
بدوره، قال أبو زينب إن استمرار المواجهة في غزة يمثل دليلا على تمسك الفلسطينيين بأرضهم وعدم التخلي عنها، معتبرا أن استمرار المقاومة والصمود يحول دون إعلان “إسرائيل” نصرا نهائيا في الحرب.
وأشار إلى أن القضية الفلسطينية شهدت، وفق رؤيته، تحولا في الوعي العالمي، وأن صمود الفلسطينيين والتطورات التي رافقت الحرب أسهما في كشف جوانب من الرواية الإسرائيلية أمام قطاعات من الرأي العام العالمي.
مرحلة مفصلية في الإقليم
ويرى الديلمي أن المنطقة دخلت بعد 7 أكتوبر مرحلة “مفصلية”، معتبرا أن ما جرى كشف طبيعة الاصطفافات الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب.
أما الأسد، فيرى أن المنطقة دخلت “مرحلة مختلفة” عما قبل العملية، وأن القضية الفلسطينية أصبحت عاملا مؤثرا بصورة مباشرة في الحسابات الإقليمية والدولية.
وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يو السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.
وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
ويذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ولكن يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت وزارة الصحة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,462 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 5 آلاف و151 إصابة، إلى جانب انتشال جثامين 836 شهيدًا
وخلال الحرب، برزت جبهات إسناد متعددة، كان أبرزها في لبنان واليمن والعراق، بالتوازي مع الدور الإيراني السياسي والإقليمي في دعم القضية الفلسطينية.
وأفضت الحرب إلى تحولات واسعة في المشهدين السياسي والدبلوماسي الدوليين، فيما استمرت القضية الفلسطينية في الحضور داخل المؤسسات الدولية وفي النقاشات السياسية والشعبية العالمية.
وبعد ثلاثة أعوام، لا تزال تداعيات 7 أكتوبر حاضرة في ملفات غزة والضفة الغربية ولبنان وسائر الإقليم، فيما تبقى طبيعة المرحلة التي ستنتج عن هذه التحولات موضع نقاش سياسي واستراتيجي واسع.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY