تستقبل العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية عيد الأضحى هذا العام وسط ظروف اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، في ظل تصاعد معدلات الفقر والبطالة، واستمرار الحواجز والإغلاقات الإسرائيلية، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار الأضاحي والمواد الأساسية، ما جعل كثيراً من العائلات عاجزة عن شراء الأضحية أو توفير متطلبات العيد الأساسية.
وفي الأسواق الفلسطينية التي كانت تعج بالمتسوقين قبيل الأعياد، تبدو الحركة هذا العام أضعف من المعتاد، فيما يحاول التجار جذب الزبائن عبر التخفيضات والعروض، وسط تراجع واضح في القدرة الشرائية. ويقول فلسطينيون إن أولوياتهم باتت تقتصر على تأمين الاحتياجات الأساسية، بينما تحولت الأضحية لدى كثير من الأسر إلى “حلم مؤجل” بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ويقول محمود أبو هنطش، وهو موظف في السلطة الفلسطينية من مدينة نابلس، لـ”قدس برس” إن العائلات الفلسطينية لم تعد قادرة على التحضير للعيد كما في السنوات السابقة، موضحاً أن عدم انتظام صرف الرواتب وتراجع قيمتها أثرا بشكل مباشر على حياة الناس. وأضاف: “في السابق كنا نشتري ملابس العيد ونفكر بالأضحية وزيارات الأقارب، أما اليوم فنركز فقط على الأساسيات”.
ولا تقتصر الأزمة على موظفي السلطة، بل تمتد إلى آلاف العمال الذين فقدوا أعمالهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948 بعد تشديد الإجراءات الإسرائيلية منذ حرب الإبادة في غزة. ويقول سائق الأجرة جاد دراغمة من مدينة طوباس لـ”قدس برس” إن الحركة التجارية تراجعت بشكل كبير، ما انعكس على دخله اليومي. وأضاف أن كثيراً من العائلات باتت تقلص حتى الزيارات والتنقلات لتوفير المال.
وفي جنين وطولكرم وقلقيلية، تتكرر الشكاوى ذاتها؛ ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية وتراجع أجواء العيد. وتقول إيمان حمدان، وهي نازحة من مخيم جنين، إن عائلتها اضطرت إلى تقليص مصاريف العيد إلى الحد الأدنى، مشيرة إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفعت بشكل كبير، بما في ذلك الدقيق والسكر والزيوت واللحوم.
لكن الأزمة الأبرز هذا العام تتمثل في الارتفاع الحاد بأسعار الأضاحي، حيث يقول فلسطينيون وتجار إن أسعار الخراف والأبقار ارتفعت بنسب كبيرة مقارنة بالأعوام السابقة، نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، إضافة إلى القيود الإسرائيلية على حركة البضائع والمزارعين.
ويقول أحد تجار المواشي في نابلس لـ”قدس برس” إن كثيراً من الفلسطينيين يزورون أسواق المواشي للاستفسار عن الأسعار فقط، قبل المغادرة دون شراء، موضحاً أن أسعار الأضاحي أصبحت فوق قدرة شريحة واسعة من الناس، خاصة العائلات التي فقدت مصادر دخلها خلال العامين الأخيرين.
وتنعكس الحواجز العسكرية والإغلاقات الإسرائيلية بشكل مباشر على الأسواق والحركة التجارية، إذ يواجه الفلسطينيون صعوبات كبيرة في التنقل بين المدن والقرى، ما يضعف النشاط الاقتصادي ويزيد من تكاليف النقل والتسوق. كما تؤثر الاقتحامات والإغلاقات المتكررة على عمل التجار والأسواق، خصوصاً في المدن الشمالية من الضفة الغربية.
ويقول الخبير الاقتصادي نائل موسى لـ”قدس برس” إن الضفة الغربية تشهد تراجعاً اقتصادياً حاداً نتيجة استمرار الحرب والإجراءات الإسرائيلية، موضحاً أن معدلات البطالة ارتفعت بشكل غير مسبوق بعد فقدان عشرات آلاف العمال أعمالهم داخل إسرائيل.
وأضاف موسى أن نسبة البطالة تجاوزت مستويات خطيرة، في وقت تعاني فيه السلطة الفلسطينية من أزمة مالية خانقة بسبب اقتطاع “إسرائيل” أموال المقاصة، ما أدى إلى عدم انتظام صرف الرواتب وتراجع القوة الشرائية بشكل كبير.
وأشار إلى أن هذه الظروف انعكست بصورة مباشرة على قدرة العائلات الفلسطينية على شراء الأضاحي أو الاستعداد للعيد كما جرت العادة، مؤكداً أن كثيراً من الأسر باتت تعتمد على المساعدات أو تكتفي بتوفير الاحتياجات الأساسية فقط. ورغم الأوضاع الصعبة، يحاول الفلسطينيون الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، خاصة للأطفال، عبر شراء قطعة ملابس جديدة أو إعداد بعض الحلويات المنزلية البسيطة.
وتقول هدى أبو زيد من قلقيلية لـ”قدس برس” إن “العيد يبقى مناسبة دينية واجتماعية مهمة مهما كانت الظروف”، لكنها تعترف بأن الشعور بالفرح تراجع كثيراً مقارنة بالأعوام الماضية.
ومع استمرار التدهور الاقتصادي واتساع دائرة الفقر، يخشى مراقبون من أن تتحول الأعياد في الأراضي الفلسطينية إلى مواسم ثقيلة على آلاف العائلات التي تكافح لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل غياب أي مؤشرات قريبة على تحسن الأوضاع الاقتصادية أو تخفيف القيود الإسرائيلية المفروضة على الفلسطينيين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY