أثارت مصادرة سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمنطقة قبر النبي صموئيل، شمال غرب القدس المحتلة، موجة تحذيرات فلسطينية من تداعيات الخطوة على الواقع الديني والتاريخي والجغرافي للمنطقة، في ظل اعتبارها جزءاً من سياسة متواصلة تستهدف السيطرة على الأوقاف الإسلامية والمواقع الأثرية الفلسطينية وتحويلها إلى رواية توراتية خالصة.
وشملت المصادرة، وفق معطيات فلسطينية، مساحة تقدر بنحو 110 دونمات تتمركز حول مقام النبي صموئيل، وتضم مسجداً تاريخياً وموقعاً أثرياً وعين ماء وأراضي زراعية تعود ملكيتها للأوقاف الفلسطينية وسكان المنطقة.
ويرى مختصون أن القرار الإسرائيلي لا يقتصر على الاستيلاء على الأرض، بل يحمل أبعاداً سياسية ودينية تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على محيط القدس وربط المواقع التاريخية الفلسطينية بالمشروع الاستيطاني.
المختص في شؤون الأراضي الوقفية منذر سليمان قال لـ”قدس برس” إن خطورة القرار تكمن في استهدافه المباشر لوقف إسلامي تاريخي ظل قائماً منذ مئات السنين، موضحاً أن الاحتلال يسعى إلى “إعادة تعريف المكان” باعتباره موقعاً يهودياً خالصاً، في تجاهل كامل للطابع الإسلامي والعربي الذي حافظ عليه الفلسطينيون عبر التاريخ.
وأوضح سليمان أن المنطقة المصادرة لا تضم القبر وحده، بل تشمل مرافق دينية وخدمية وأراضي زراعية تشكل الامتداد الطبيعي للتجمع الفلسطيني المحيط بالمقام، ما يعني أن المصادرة ستؤثر على حياة السكان اليومية وعلى قدرتهم في الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه الخاصة بهم.
وأشار إلى أن مسجد النبي صموئيل يعد من أبرز المعالم الإسلامية في المنطقة، وأن الاحتلال فرض خلال السنوات الماضية قيوداً متكررة على الوصول إليه، سواء عبر الحواجز العسكرية أو من خلال التحكم بساعات الدخول والصلاة، قبل أن ينتقل اليوم إلى مرحلة “فرض السيادة الكاملة” عبر قرارات المصادرة الرسمية.
ويعتقد سليمان أن الخطوة تأتي ضمن مخطط أوسع يستهدف الأوقاف الإسلامية في القدس ومحيطها، خاصة تلك الواقعة في المناطق المصنفة “ج”، حيث يسهل على سلطات الاحتلال فرض أوامر عسكرية وتحويل الأراضي إلى “حدائق وطنية” أو “مواقع أثرية إسرائيلية”، بما يؤدي فعلياً إلى طمس الهوية الفلسطينية للمكان.
توسيع النفوذ الاستيطاني
من جهته، قال المتابع لشؤون الاستيطان عصام جرمي لـ”قدس برس” إن مصادرة محيط قبر النبي صموئيل تحمل أبعاداً استيطانية واضحة، باعتبار المنطقة تشكل نقطة استراتيجية تربط بين عدد من المستوطنات المقامة شمال غرب القدس. وأضاف أن السيطرة على هذه المساحات ستتيح للاحتلال توسيع النفوذ الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض تمنع أي امتداد عمراني فلسطيني مستقبلي.
وأوضح جرمي أن الاحتلال يستخدم منذ سنوات ملف “الآثار” كأداة سياسية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، عبر إعلان المناطق التاريخية مواقع تراثية إسرائيلية، ومن ثم منع الفلسطينيين من استخدامها أو تطويرها. ولفت إلى أن ما يجري في النبي صموئيل يشبه ما حدث في مواقع أخرى تعرضت لعمليات تهويد تدريجية، بدأت بفرض قيود على السكان وانتهت بتحويل المكان إلى مزار سياحي وديني يخدم الرواية الإسرائيلية.
وأكد أن القرية الفلسطينية المحيطة بالمقام تعيش منذ سنوات تحت حصار فعلي، إذ يمنع السكان من البناء أو التوسع العمراني، فيما تواجه الأراضي الزراعية خطر المصادرة المستمر. ويرى أن القرار الجديد سيؤدي إلى تضييق أكبر على الأهالي وربما يدفع بعضهم إلى الرحيل القسري نتيجة فقدان مصادر الرزق وحرية الحركة.
ويعد مقام النبي صموئيل من أبرز المواقع التاريخية والدينية في محيط مدينة القدس المحتلة، ويحمل أهمية خاصة لدى الفلسطينيين باعتباره موقعاً أثرياً يضم مسجداً ومرافق تاريخية تعود لقرون طويلة. لكن الاحتلال عمل خلال العقود الماضية على إعادة تقديم الموقع ضمن الرواية الدينية اليهودية، عبر تكثيف الحضور العسكري والسياحي الإسرائيلي فيه، وفرض إجراءات تحد من الوجود الفلسطيني.
ويرى مراقبون أن مصادرة الموقع تمثل تصعيداً جديداً في سياسة الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية والمناطق الأثرية، خاصة في القدس ومحيطها، حيث تتداخل الاعتبارات الدينية مع الأهداف الاستيطانية والسياسية. كما يحذرون من أن استمرار هذه الإجراءات دون تحرك دولي فعّال قد يفتح الباب أمام مصادرة مواقع أخرى تحمل رمزية دينية وتاريخية للفلسطينيين.
وفي ظل غياب أي قدرة فلسطينية على وقف قرارات المصادرة ميدانياً، تتزايد المخاوف من أن يتحول مقام النبي صموئيل إلى نموذج جديد لسياسة “الضم الزاحف”، التي تستخدم فيها إسرائيل أدوات القانون والآثار والاستيطان لفرض سيطرة كاملة على الأرض وإعادة تشكيل هويتها التاريخية والديمغرافية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY