يشهد العمل الخيري الفلسطيني في الضفة الغربية تصعيداً إسرائيلياً متواصلاً، مع تزايد عمليات إغلاق الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة، في خطوة يرى مراقبون أنها تستهدف البنية الاجتماعية الفلسطينية وتفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أغلقت قوات الاحتلال لجنة زكاة جنين، وجمعية “مديد” الخيرية في نابلس، شمالي الضفة الغربية، وقبلها الجمعية الخيرية الإسلامية في الخليل جنوبا، ضمن سلسلة إجراءات طاولت مؤسسات تقدم خدمات إغاثية وتعليمية وصحية لآلاف الأسر المحتاجة.
ويقول مسؤولون في هذه المؤسسات إن الاحتلال يستخدم ذرائع أمنية لتبرير الإغلاق والمصادرة، رغم أن أنشطتها تخضع لرقابة السلطة الفلسطينية وتعمل بصورة قانونية ورسمية.
ويؤكد عضو لجنة زكاة جنين المركزية نصري حمامرة، في حديثه لـ”قدس برس”، أن قوات الاحتلال اقتحمت مقر اللجنة وصادرت وثائق وبيانات تخص الأيتام والأسر الفقيرة، قبل إغلاقه بالكامل. وأضاف أن اللجنة تقدم مساعدات إنسانية وكفالات أيتام ومشاريع إغاثية موسمية، ولا علاقة لها بأي نشاط سياسي أو عسكري.
وفي نابلس، قال مدير جمعية “مديد” الخيرية أحمد دويكات لـ”قدس برس” إن إغلاق الجمعية يعني حرمان عشرات العائلات من المساعدات الغذائية والطبية والتعليمية التي كانت تعتمد عليها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأوضح أن الاحتلال “يستهدف المؤسسات التي تسند المجتمع الفلسطيني وتخفف من آثار الفقر والبطالة”، مشيراً إلى أن آلاف الأسر باتت عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية بعد توقف خدمات الجمعيات الخيرية.
أما في الخليل، فلا تزال الجمعية الخيرية الإسلامية مغلقة منذ أكثر من شهر، رغم محاولات إدارتها الطعن قانونياً في القرار الإسرائيلي.
ويؤكد عضو مجلس إدارة الجمعية جويد التميمي لـ”قدس برس” أن استهداف الجمعيات الخيرية يمثل جزءاً من سياسة تضييق أوسع ضد مؤسسات المجتمع الفلسطيني، خاصة تلك التي تقدم خدمات مباشرة للفئات الأكثر فقراً واحتياجاً.
وأوضح التميمي أن الجمعية تشرف على رعاية الأيتام وإدارة بيوت إيواء ومدارس، وتشكل جزءاً أساسياً من شبكة الحماية الاجتماعية في محافظة الخليل، محذراً من أن إغلاقها ترك آثاراً خطيرة على مئات الأسر والأطفال الذين كانوا يعتمدون على خدماتها اليومية.
ويرى مختصون أن هذه الإجراءات تأتي ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود، من خلال استهداف مؤسسات التكافل الاجتماعي بالتزامن مع التدهور الاقتصادي الحاد الذي تشهده الضفة الغربية.
وقال المختص في الشؤون الإسرائيلية عزام أبو العدس لـ”قدس برس” إن الاحتلال يستخدم “الملف الأمني” كغطاء لاستهداف المؤسسات المدنية الفلسطينية، خاصة تلك التي تمتلك حضوراً مجتمعياً واسعاً.
وأضاف أن “إسرائيل” تعتبر أي نشاط اجتماعي فلسطيني فاعل “خطراً محتملاً” إذا كان يساهم في تعزيز صمود الفلسطينيين أو التخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية.
وأوضح أبو العدس أن الاحتلال يدّعي وجود صلات بين بعض الجمعيات وجهات تصنفها إسرائيل “معادية”، وهو ما تستخدمه ذريعة لإغلاق المؤسسات ومصادرة ممتلكاتها، إلا أن الهدف الحقيقي يتمثل في الضغط الاقتصادي والاجتماعي على الفلسطينيين ومنع أي بنية مجتمعية قادرة على مواجهة آثار الحصار والإغلاق.
وتأتي هذه الحملة في وقت تشهد فيه الضفة الغربية ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، مع استمرار اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية ومنع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
وقال الخبير الاقتصادي أحمد عبد العال لـ”قدس برس” إن ما يجري يمثل “حرباً اقتصادية واجتماعية” تستهدف إنهاك المجتمع الفلسطيني وإبقائه في حالة ضغط دائم. وأضاف أن استهداف الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة يشكل ضربة مباشرة للفئات الفقيرة التي تعتمد على المساعدات الإنسانية لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
وأشار عبد العال إلى أن الجمعيات الخيرية لعبت خلال السنوات الماضية دوراً محورياً في سد الفجوات الناتجة عن تراجع الأوضاع الاقتصادية وضعف القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة، محذراً من أن استمرار إغلاقها سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية وزيادة معدلات الحرمان والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال.
ومع تواصل هذه الإجراءات، تتزايد الدعوات الفلسطينية والدولية لوقف استهداف العمل الإنساني والخيري في الأراضي الفلسطينية، باعتباره جزءاً أساسياً من حماية المجتمع الفلسطيني في مواجهة الانهيار الاقتصادي المتسارع.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY