في قطاع غزة، لا تنتهي المأساة عند أعداد الشهداء والدمار الواسع، بل تمتد إلى مصيرٍ أكثر قسوة وغموضًا يعيشه آلاف المفقودين الذين اختفت آثارهم تحت ركام العدوان “الإسرائيلي” أو في ظروفٍ مجهولة، تاركين خلفهم عائلات معلقة بين الانتظار والخوف، لا تملك يقين الفقد ولا تطمئن إلى احتمال العودة.
وخلف كل اسم مفقود، تقف زوجة تحاول النجاة بأطفالها وسط حرب مفتوحة، تواجه قسوة النزوح والجوع وغياب المعيل، فيما تتحول الأيام إلى عبء نفسي وقانوني متواصل، مع غياب أي معلومة حاسمة عن مصير الأزواج.
ومع تصاعد حرب الإبادة على القطاع، فُقد مئات الفلسطينيين في ظروف متباينة؛ بعضهم تحت الأنقاض، وآخرون خلال النزوح أو أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق آمنة، بينما حالت شدة القصف والعمليات العسكرية دون الوصول إليهم أو التحقق من مصيرهم.
انتظار بلا نهاية
تقول واحدة من عشرات النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مصير مجهول، بعد اختفاء أزواجهن منذ الأيام الأولى للحرب.
وتضيف “خرج زوجي في اليوم الأول للحرب، ومنذ ذلك الوقت لا نعرف أين ذهب أو ماذا جرى له، بحثت عنه في المشافي، وسألت لدى الصليب الأحمر، ولم أجد اسمه بين الشهداء أو الأسرى”.
وتتابع “الغياب الطويل حوّل حياتها إلى دائرة من القلق والعجز، وأن عدم معرفة مصير زوجها وضعها وأطفالها أمام واقع معقد لا يسمح لهم بالحصول على أي حقوق أو مساعدات”.
وتضيف “أعيش على أمل أن يعود، لكن هذا الأمل نفسه يرهقني، لأنني لا أملك أي إجابة لأطفالي عندما يسألون عن والدهم”.
ومع استمرار النزوح وتردي الأوضاع المعيشية، تقول إن الحياة داخل الخيام أصبحت فوق طاقة الاحتمال، خاصة في ظل غياب مصدر دخل ثابت، واشتراط المؤسسات وجود وثائق رسمية تثبت حالة الأب للحصول على المساعدات.
وفي محاولة لإنهاء حالة الغموض، لجأت إلى الجهات المختصة لإصدار شهادة وفاة لزوجها، بهدف تأمين الحد الأدنى من الحقوق لأطفالها، إلا أن عائلة زوجها رفضت التوقيع على الإجراءات القانونية، تمسكًا بإمكانية أن يكون لا يزال على قيد الحياة.
وتوضح: “لا أستطيع إثبات استشهاده، وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أعيش حياتي بشكل طبيعي أو أحصل على حقوقي، أشعر أنني معلقة بين احتمالين لا نهاية لهما”.
تعقيدات قانونية ومعيشية
ولا تقتصر معاناة زوجات المفقودين على الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى أزمات قانونية ومعيشية معقدة، إذ يحرم غياب إثبات الوفاة النساء من حقوق أساسية، مثل الميراث، أو الاستفادة من المساعدات المخصصة لعائلات الشهداء، فضلًا عن تعطيل قرارات مصيرية تتعلق بحياتهن ومستقبل أطفالهن.
المحامية الشرعية ريفال فروانة تؤكد أن الحرب فرضت واقعًا استثنائيًا دفع المؤسسات القضائية في غزة إلى تعديل بعض الإجراءات القانونية المرتبطة بالمفقودين.
وتوضح أن المحاكم في غزة أصدرت تعميمًا يقضي بتقليص المدة اللازمة للحصول على شهادة وفاة للمفقود من أربع سنوات إلى ستة أشهر فقط، تبدأ من تاريخ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
لكن فروانة تشير إلى أن هذه التسهيلات لم تُنهِ الأزمة بشكل كامل، لافتة إلى ظهور حالات عاد فيها مفقودون بعد إعلان وفاتهم رسميًا، ما تسبب بأزمات قانونية واجتماعية معقدة طالت الزوجات والعائلات بأكملها.
وتؤكد أن زوجات المفقودين يعشن حالة من “التعليق القانوني”، إذ تتجمد حقوقهن وحياتهن اليومية بانتظار حسم مصير الأزواج، بينما يمنع القانون التصرف في التركة أو اتخاذ إجراءات قانونية كاملة دون صدور حكم رسمي بالوفاة.
أطفال يسألون.. ولا إجابات
زوجة أخرى لا تزال تواجه يوميًا أسئلة أطفالها عن والدهم المفقود في محور “نتساريم” وسط قطاع غزة، دون أن تمتلك أي إجابة واضحة.
تقول: “بحثت عنه في المشافي، وسألت الأسرى الذين خرجوا، ولم أترك جهة إلا وراجعتها، لكن دون أي معلومة”.
وتضيف أن الغياب بات يستنزفها نفسيًا، خاصة عندما يسألها أطفالها إن كان والدهم حيًا أم ميتًا، وإن كان سيعود إليهم يومًا ما.
وتوضح أنها لا تملك أي وثيقة تثبت ما إذا كان زوجها أسيرًا أو شهيدًا، الأمر الذي يحرمها من الحصول على أي مساعدة إنسانية أو دعم مالي لإعالة أطفالها.
وتقول: “كل مؤسسة تطلب أوراقًا رسمية، أهمها شهادة الوفاة، وغياب هذه الوثائق يجعلنا خارج أي دعم، رغم الظروف القاسية التي نعيشها”.
وفي ظل استمرار الحرب، تبقى زوجات المفقودين في غزة عالقات بين الأمل والفقد، يحملن وحدهن أعباء الحياة والنزوح وتربية الأطفال، فيما يواصل الغياب كتابة فصلٍ آخر من المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY