مع اقتراب العام الدراسي الجديد، لا يشغل المعلمين في فلسطين التحضير للعودة إلى مدارسهم فحسب، بل يحملون معهم أعباء مالية متراكمة جعلت الاستعداد للعام الدراسي بالنسبة لكثير منهم تحدياً جديداً، كيف لا والموظفون يحصلون فقط على أنصاف رواتب منقوصة، وديون وأقساط متراكمة، والتزامات أسرية وتعليمية تتزايد، فيما يقترب موعد المدارس والجامعات دون قدرة مالية كافية على الوفاء بكل هذه الاستحقاقات.
ويجمع المعلمون خلال حديثهم لـ”قدس برس” على أن الظروف التي يعيشونها جعلت من استقبال العام الدراسي بصورة طبيعية أمراً بعيد المنال، بعد أن أثقلتهم الديون وأغرقتهم الالتزامات وأجبرتهم على التفكير فقط بكيفية تدبر حالهم وحال عوائلهم.
ويقول المعلم أحمد حمدان معقباً على تصريحات وزارة التربية بخصوص بدء العام الدراسي: “لم تعد المشكلة في الراتب فقط، وإنما في حجم الالتزامات التي أصبحت أكبر من قدرتنا على الوفاء بها. عندما يصل الراتب بنحو نصف قيمته، تبدأ مباشرة عملية ترتيب الأولويات، وغالباً ما تكون الأولوية للطعام والفواتير الأساسية، فيما تتأجل احتياجات أخرى”.
ويضيف حمدان: “إن اقتراب العام الدراسي يزيد الضغط على الأسر، موضحاً: لدينا أبناء يحتاجون إلى ملابس وقرطاسية ومصاريف مدرسية، وهناك أيضاً أقساط جامعية، كيف يمكن لموظف يتقاضى جزءاً من راتبه أن يغطي كل هذه النفقات”.
ولا يقتصر الأمر على مستلزمات المدارس، كما يقول حمدان، بل إن الكثير من المعلمين يحملون التزامات مالية تراكمت خلال السنوات الماضية، بعدما اضطروا إلى الاقتراض لتغطية احتياجات أسرهم أو تعليم أبنائهم.
ديون تتراكم
أما المعلمة عائشة صبيحات فقد كتبت هي الأخرى معقبة على موضوع الرواتب المجتزأة، وبعد العام الدراسي بالقول: “قضية المعلمين لا تتعلق بتوفير الراتب فقط، وإنما عن احتياجات أساسية، فلدى نسبة عالية من الموظفين أقساط والتزامات شهرية، وعندما ينخفض الراتب أجد نفسي مضطرة إلى الاستدانة مجدداً لتغطية النقص، وهكذا تدخل الأسرة في دائرة من الديون يصعب الخروج منها”.
ويوضح المعلم فريد ساجي أن بداية العام الدراسي أصبحت مصدر قلق بدلاً من أن تكون مناسبة للاستعداد والفرح: “كل عام أبدأ بالسؤال نفسه: كيف سندفع الأقساط؟ وكيف سنشتري احتياجات الأبناء؟ المشكلة أن الالتزامات لا تنتظر، سواء كان الراتب كاملاً أم منقوصاً”.
ويشير ساجي إلى أن أقساط الجامعات تمثل عبئاً إضافياً على كثير من الأسر، خصوصاً أن الموظف يجد نفسه مطالباً بتأمين تعليم أبنائه بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراكم الالتزامات الأخرى.
المعلم بين المدرسة والأسرة
أما المعلم خالد حزاز الله، فيرى أن الأزمة المالية لم تعد شأناً شخصياً بالنسبة للمعلمين، بل أصبحت تمس قضية التعليم التعليمية برمتها.
ويقول: “المعلم سيدخل إلى الصف بعد أيام وهو يحمل معه هموم البيت والأقساط والديون، ونحن نريد أن نركز على طلابنا ونؤدي رسالتنا، لكن الاستقرار المعيشي جزء من الاستقرار النفسي والمهني”.
ويضيف: “نحن لا نطالب بمعاملة استثنائية، وإنما بسياسة أكثر إنصافاً تراعي طبيعة الوضع الاقتصادي للموظف، خصوصاً أصحاب الرواتب المحدودة”.
إنصاف التعليم والصحة
ويرى معلمون أن معالجة الأزمة تحتاج إلى إعادة النظر في آليات صرف الرواتب والخصومات، خصوصاً بالنسبة للقطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة.
ويقول سعيد بركات، والذي يعمل مرشداً تربوياً: “إذا كان هناك مجال لتوزيع نسب الصرف بطريقة مختلفة، فمن المهم أن تُعطى الأولوية للقطاعات التي تمس حياة الناس ومستقبلهم، وعلى رأسها التعليم والصحة”.
ويطرح المعلمون أن تكون هناك نسبة صرف أكبر من الراتب للعاملين في هذين القطاعين، بما يخفف من الأعباء المعيشية ويمنحهم قدراً أكبر من الاستقرار.
الخصم وفق حجم الراتب
ولا تتعلق المطالب فقط بنسبة الراتب المصروف، وإنما أيضاً بطريقة احتساب الخصومات، كما يقول الموظف الإداري محمد سلامة متابعاً: “إن اقتطاع النسبة نفسها من جميع الموظفين لا يعني بالضرورة عدالة متساوية”.
ويوضح: “الخصم من راتب مرتفع يختلف تماماً عن الخصم من راتب محدود، لذلك يجب أن تكون هناك آلية تراعي حجم الراتب، بحيث يتحمل صاحب الدخل الأعلى نسبة أكبر، بينما تتم حماية أصحاب الرواتب الأقل”.
ومن شأن إعادة النظر في سلم الرواتب وآلية الخصم، وفق هذا الطرح، أن تخفف من الضغط عن الموظفين أصحاب الدخول المحدودة، وتحد من اضطرارهم إلى الاستدانة لتغطية الاحتياجات الأساسية.
عام دراسي مثقل بالقلق
ويشرح المعلم زياد مياله واقع المعلمين على أعتاب العام الدراسي تزامناً مع استمرار الأزمة المالية ومحدودية الرواتب قائلاً: “على أعتاب العام الدراسي، يقف المعلم الفلسطيني أمام مسؤوليات تتجاوز حدود المدرسة؛ فهو أب مطالب بتأمين احتياجات أبنائه، وموظف مثقل بالأقساط، ورب أسرة يحاول موازنة دخله مع متطلبات المعيشة”.
ويختصر مياله مطالب المعلمين بالقول: “نريد أن نبدأ العام الدراسي ونحن قادرون على التفكير في طلابنا، لا في كيفية تدبير أقساطنا وديوننا، فإِنصاف المعلم ليس فقط إنصافاً للموظف، وإنما حماية للعملية التعليمية كلها”.
وبينما تستعد المدارس لاستقبال الطلبة، تبقى معالجة أوضاع المعلمين المالية واحدة من أبرز القضايا التي تتطلب حلولاً جدية، تبدأ بإعادة النظر في سلم الرواتب ونسب الخصم، وإعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية، وصولاً إلى ضمان دخل أكثر عدالة واستقراراً يمكن المعلم من القيام برسالته دون أن تثقل كاهله الديون والالتزامات.
وكان وزير التربية والتعليم في السلطة الفلسطينية أمجد برهم، أعلن الخميس الفائت، أعلن أن يوم الأحد الموافق 6 أيلول/ سبتمبر 2026 هو الموعد الذي حددته الوزارة لانطلاق الدراسة وافتتاح العام الدراسي الجديد.
ويأتي الإعلان بالتزامن مع استعدادات وزارة التربية والتعليم لاستقبال الطلبة والهيئات التدريسية، بما يشمل استكمال الترتيبات الإدارية والتعليمية اللازمة لضمان انطلاق العملية التعليمية في موعدها المحدد.
يتزامن ذلك مع استمرار تصاعد الأزمة المالية وصرف الرواتب بنسبة تتناسب مع احتياجات الموظفين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY