بعد نحو عامين ونصف العام خلف قضبان الاحتلال، أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، عن القيادي في حركة “حماس” الشيخ عبد الجبار جرار من مدينة جنين شمالي الضفة الغربية، لينهي بذلك واحدة من أصعب فترات الاعتقال التي عاشها الأسير الفلسطيني، وفق ما تقول عائلته ومقربون منه.
ولم يكن هذا الاعتقال الأول لجرار، الذي أمضى أكثر من 16 عاماً في سجون الاحتلال، معظمها في الاعتقال الإداري، إلا أن فترة أسره الأخيرة اكتسبت قسوة استثنائية، بعدما فقد خلالها زوجته وفاء جرار، التي اعتقلها الاحتلال بعد نحو ثلاثة أشهر من اعتقاله.
وتقول عائلة جرار إن وفاء اعتُقلت في أيار/مايو 2024، وخلال نقلها في آلية عسكرية وقع انفجار أسفلها، أدى إلى بتر ساقيها، قبل أن تفرج سلطات الاحتلال عنها لاحقاً، لتتدهور حالتها الصحية وتتوفى متأثرة بإصابتها في آب/أغسطس من العام ذاته.
لقاء بعد غياب طويل
وتقول ابنته زيتونة جرار إن الإفراج عن والدها يحمل فرحة منقوصة، إذ يعود اليوم إلى عائلته من خلف القضبان حاملاً ألم فقد زوجته ورفيقة دربه وفاء جرار، ووالدته، التي توفيت العام الماضي، ولم يعلم والدها بوفاتها إلا قبل شهر فقط.
وتضيف، في حديثها لـ”قدس برس” اليوم الجمعة، أن والدها “خرج من السجن بعد عامين ونصف، لكنه لم يخرج من الوجع الذي عاشه خلالهما”، مشيرة إلى أن أصعب ما في هذه التجربة أن الأسرة كانت تنتظر الإفراج عنه، بينما كانت تخوض في الوقت نفسه تجربة فقدان والدتها.
وتقول زيتونة إن والدها “لم يكن يعلم الكثير من تفاصيل ما جرى خارج السجن”، وإن العائلة عاشت طوال فترة اعتقاله بين الأمل في الإفراج عنه والخوف على صحته، خصوصاً مع تدهور وضعه الصحي داخل السجن.
وتشير إلى أن والدها حُرم خلال سنوات الاعتقال من تفاصيل كثيرة في حياة أسرته، ومن بينها لحظات كان من المفترض أن يعيشها مع أبنائه وأحفاده، مؤكدة أن عودته اليوم لا تلغي سنوات الغياب، لكنها تمثل بداية جديدة للعائلة بعد فترة قاسية.
وكانت زيتونة قد نشرت في وقت سابق رسالة مؤثرة نقلها محامي والدها خلال جلسة استئناف، بعدما وصلته نبأ قدوم حفيدتين تحملان اسم زوجته الراحلة، فقال للعائلة: “سلّمولي على الحجة، ستكم أم زهدي، وديروا بالكم عليها”، في وقت لم يكن يعلم فيه أن والدته قد رحلت قبل نحو عام.
16 عاماً من الاعتقال
أما الأسير المحرر محمود سباعنة، الذي رافق جرار في اعتقالات سابقة ويعرفه وعائلته عن قرب، فيصف تجربة الاعتقال الأخيرة بأنها “الأصعب” في مسيرة الشيخ.
ويقول سباعنة لـ”قدس برس” إن عبد الجبار جرار ليس غريباً عن السجون، فقد أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، وعرف الاعتقال الإداري مرات عديدة، لكن ما جعل هذه التجربة مختلفة هو أنها تزامنت مع فقدان زوجته، التي كانت شريكة حياته طوال سنوات الاعتقال والملاحقة.
ويضيف أن جرار “كان في كل مرة يخرج من السجن يعود إلى عائلته، أما هذه المرة فيعود وهو يحمل غياب وفاء معه”، معتبراً أن هذا الجانب يجعل الإفراج الحالي مختلفاً عن كل مرات الإفراج السابقة.
ويشير سباعنة إلى أن جرار “شخص صبور، وله قدرة كبيرة على التحمل”، لكنه يعتقد أن سنوات الأسر المتراكمة تركت آثارها على جسده وحياته، خصوصاً أن الاعتقال الإداري ظل يتكرر بحقه على مدار سنوات طويلة.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد أمضى جرار أكثر من 16 عاماً في سجون الاحتلال، وكانت معظم سنوات اعتقاله ضمن الاعتقال الإداري، الذي يتيح للاحتلال احتجاز الفلسطينيين دون توجيه تهمة واضحة، لفترات قابلة للتجديد. وقد ورد اسم جرار في قوائم الاعتقال الإداري منذ سنوات طويلة.
وخلال فترة اعتقاله الأخيرة، فقد جرار نحو 66 كيلوغراماً من وزنه، رغم معاناته المسبقة من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم ومشكلات في الركبتين، إضافة إلى بدايات مرض السكري وحاجته إلى أدوية منتظمة.
كما أصيب، وفق المعطيات التي قدمتها عائلته، بمرض الجرب (السكابيوس) نتيجة الظروف الصحية داخل سجن النقب، ما زاد من المخاوف على وضعه الصحي.
ويرى سباعنة أن ما يحتاجه جرار بعد الإفراج عنه ليس فقط العودة إلى منزله، وإنما استعادة شيء من حياته التي توقفت خلف القضبان، مشيراً إلى أن عائلته عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الاعتقال والملاحقة والفقد.
واليوم، يعود عبد الجبار جرار إلى جنين بعد سنوات من الأسر، لكن عودته تأتي إلى منزل غابت عنه زوجته وفاء، التي رحلت وهو خلف القضبان، ليصبح الإفراج بالنسبة لعائلته لحظة تختلط فيها فرحة الحرية بمرارة الفقد وذاكرة سنوات طويلة من الاعتقال.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY