Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

جنين.. مدينة تتغير ملامحها تحت وطأة الاستيطان والوجود العسكري الدائم

لم تعد محافظة جنين، شمالي الضفة الغربية، تواجه فقط عمليات عسكرية متكررة تنتهي بانسحاب قوات الاحتلال، بل دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها المشاريع العسكرية مع التوسع الاستيطاني، في مشهد يعيد رسم جغرافية المحافظة تدريجيًا.

فشق الطرق العسكرية، وإقامة المعسكرات، وتوسيع المستوطنات، وهدم المنازل والمنشآت، ومصادرة الأراضي، لم تعد إجراءات منفصلة أو مؤقتة، بل باتت تشكل، وفق مراقبين فلسطينيين، ملامح سياسة متكاملة تهدف إلى فرض واقع ميداني دائم يتجاوز مفهوم “العملية العسكرية” المؤقتة.

وخلال الأشهر الأخيرة، برزت مؤشرات متسارعة على انتقال السياسة الإسرائيلية في جنين من نمط الاقتحامات الدورية إلى إنشاء بنية تحتية عسكرية واستيطانية ثابتة، عبر شبكة من الطرق والمواقع العسكرية التي توسع السيطرة على الأرض، وتفرض قيودًا إضافية على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى أراضيهم.

طرق عسكرية ومواقع جديدة

وفي أحدث هذه الإجراءات، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن إصدار سلطات الاحتلال 15 أمرًا عسكريًا لـ”وضع اليد” على نحو 200 دونم من أراضي محافظة جنين، بهدف شق طرق عسكرية جديدة وإقامة موقع عسكري شمالي المحافظة.

وبحسب الهيئة، خُصص 14 أمرًا عسكريًا لإنشاء طرق يزيد طولها على 11 كيلومترًا، فيما خُصص أمر آخر للاستيلاء على أكثر من 22 دونمًا من أراضي بلدة اليامون لإقامة موقع عسكري جديد، معتبرة أن هذه الإجراءات تأتي ضمن مشروع متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية والاستيطانية في المحافظة.

وأوضحت الهيئة أن الخرائط تكشف عن شبكة مترابطة تهدف إلى ربط موقعي “نوعاه” و”عيمك دوتان” الاستيطانيين، اللذين أقرت الحكومة الإسرائيلية إقامتهما مؤخرًا، بما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.

وترى الهيئة أن هذه الطرق لا تهدف فقط إلى تسهيل حركة جيش الاحتلال، بل تمهد أيضًا لإقامة بوابات وحواجز ونقاط مراقبة، بما يعزز السيطرة العسكرية ويحد من وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية.

توسع داخل مناطق مصنفة (أ)

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بعدما أظهرت المطابقة المكانية أن بعض الأوامر العسكرية يمتد داخل مناطق مصنفة (أ)، الخاضعة للإدارة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو.

وترى الهيئة أن ذلك يمثل تحولًا سياسيًا وأمنيًا يمنح جيش الاحتلال قدرة أكبر على فرض وجود عسكري داخل هذه المناطق، فيما يعتبر مراقبون أن هذه الخطوات تعكس انتقالًا من سياسة “الضم الزاحف” إلى فرض وقائع ضم فعلية على الأرض.

معسكر يطل على مخيم جنين

ولا تقتصر التحولات في المحافظة على شق الطرق، إذ تواصل قوات الاحتلال إنشاء معسكر عسكري جديد في حي الجابريات بمدينة جنين، يطل مباشرة على مخيم جنين، في خطوة يرى فلسطينيون أنها تعزز الوجود العسكري الدائم وتمنح الجيش قدرة أكبر على مراقبة المخيم وتشديد الإجراءات المفروضة عليه.

وبحسب مصادر محلية، تستهدف أعمال التجريف قطعة أرض تبلغ مساحتها سبعة دونمات تعود ملكيتها لعشرة أفراد من عائلة قبها، بعدما استولت عليها قوات الاحتلال بذريعة “الأغراض العسكرية”، رغم وقوعها ضمن المناطق المصنفة (أ).

وقال منصور قبها، أحد مالكي الأرض، إن المشروع لا يقتصر على مصادرة الأرض، بل يهدد العائلات المحيطة بالتهجير، مشيرًا إلى إخلاء منزلين بالقوة تمهيدًا لبدء أعمال التجريف.

هدم منازل ومنشآت فلسطينية

وبالتوازي مع هذه المشاريع، تتواصل عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في المحافظة.

ففي بلدة عنزة، هدمت قوات الاحتلال ثلاث بنايات تضم 18 محلًا تجاريًا وشقتين سكنيتين، بعد منح أصحابها أقل من 40 دقيقة لإخلائها، رغم أن القضية كانت لا تزال منظورة أمام محاكم الاحتلال.

وقال صاحب إحدى البنايات، هشام حنتولي، لـ”قدس برس”، إن أصحاب المباني كانوا قد حصلوا سابقًا على قرار بوقف تنفيذ الهدم، إلا أن قوات الاحتلال نفذت العملية بالقوة، بالتزامن مع إطلاق قنابل الصوت والغاز، واحتجاز أحد المصورين وإجباره على حذف الصور التي وثقت عملية الهدم.

كما هدمت جرافات الاحتلال في بلدة عرابة منزل المواطن جهاد موسى، المكون من ثلاثة طوابق، رغم استنفاده الإجراءات القانونية لمحاولة وقف القرار، في وقت تتواصل فيه أعمال التجريف في أراضي البلدة منذ نحو شهرين، تمهيدًا لتوسيع مستوطنة “عيمك دوتان”.

تمدد استيطاني يهدد الأراضي الزراعية

وقال رئيس بلدية عرابة، أحمد عارضة، إن المستوطنين جرفوا مساحات واسعة من الأراضي، ونصبوا كرفانات وبيوتًا متنقلة، قبل أن يبدأوا بالسيطرة التدريجية على المنطقة الشمالية من البلدة.

وأضاف أن المستوطنين يسيطرون حاليًا على نحو 220 دونمًا، بالتزامن مع اعتداءات متكررة على المزارعين ورعاة الأغنام، محذرًا من امتداد الخطر إلى المنطقة الجبلية المزروعة بأشجار الزيتون وسهل عرابة، الذي يعد من أهم السهول الزراعية في محافظة جنين.

تصعيد أوسع في الضفة الغربية

وتأتي هذه التطورات ضمن تصعيد أوسع تشهده الضفة الغربية، إذ وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب تنفيذ 341 عملية هدم أسفرت عن تدمير 740 منشأة وتشريد 923 مواطنًا، بينهم 546 طفلًا، فضلًا عن توثيق أكثر من 11 ألف اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون خلال الفترة نفسها.

وتشير مجمل هذه الإجراءات إلى أن ما تشهده جنين لم يعد يقتصر على عمليات عسكرية متفرقة أو قرارات استيطانية منفصلة، بل يعكس مسارًا متكاملًا لإعادة تشكيل جغرافية المحافظة، عبر شق الطرق العسكرية، وإقامة المعسكرات، وتوسيع المستوطنات، والاستيلاء على الأراضي، وهدم المنازل والمنشآت.

وبذلك تتحول الإجراءات العسكرية والاستيطانية من تدابير مؤقتة إلى واقع ميداني متواصل يعيد رسم ملامح جنين سياسيًا وجغرافيًا واقتصاديًا.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY