تتواصل القراءات السياسية والقانونية لخطاب رئيس حركة “حماس” في الخارج خالد مشعل، الذي ألقاه خلال منتدى الجزيرة السابع عشر أمس أحد، المنعقد حاليا في العاصمة القطرية الدوحة، في ظل ما اعتُبر محاولة لإعادة تثبيت موقع المقاومة في المعادلة الوطنية والإقليمية، بالتزامن مع ترتيبات ما بعد الحرب على قطاع غزة.
توقيت حاسم وإعادة تعريف المشروع الوطني
يرى الكاتب والمحلل السياسي رامي العياصرة أن تصريحات مشعل جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع بدء الحديث عن ترتيبات اليوم التالي للحرب، وما يرافقه من محاولات إعادة رسم المشهد الفلسطيني.
ويضيف العياصرة في حديث لـ”قدس برس” أن مشعل قدّم رؤية واضحة تؤكد استمرار مشروعية المقاومة طالما بقي الاحتلال، حتى وإن تغيّرت أشكالها أو أدواتها، أو خضعت لقراءات موازين القوى في كل مرحلة.
وأشار إلى أن المشروع الوطني الفلسطيني يقف اليوم على مفترق طرق حقيقي، ما يستدعي اجتراح معادلة جديدة تقوم على المزاوجة بين العمل السياسي والمقاومة بذات المستوى من الأهمية، دون إقصاء أحد المسارين لصالح الآخر.
ونوّه العياصرة إلى أن معركة “طوفان الأقصى” أفرزت ثمارا سياسية ملموسة، من بينها توسّع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وتصاعد الجهود القانونية لتصنيف قادة الاحتلال كمجرمي حرب، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المكاسب إلى إنجازات عملية.
وشدد على أن خطاب مشعل يعكس ثقة بقدرة المقاومة على تجديد أدواتها والاستمرار رغم ما تعرضت له من أضرار خلال الحرب.
المقاومة نقيض موضوعي للاحتلال ومصدر توازن إقليمي
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي حازم عيّاد أن المقاومة تمثل النقيض الموضوعي للاحتلال الإسرائيلي ولمشروعه التوسعي في المنطقة، مشيرًا إلى أن إنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الفلسطينية كفيلان بتلاشي الأسباب الموضوعية للمقاومة، وإنهاء حالة عدم الاستقرار في الإقليم برمّته.
ويضيف عيّاد أن هذه الحقائق تجد انعكاسها الواضح في القانون الدولي، الذي يقر بحق الشعوب في مقاومة المشاريع الاستعمارية، بوصفها تهديدًا مباشرًا للحقوق الإنسانية، ومصدرًا للفوضى والتغوّل على المنظومة الدولية والأخلاقية.
ويرى أن المعضلة الأساسية لا تكمن في المقاومة، بل في الاحتلال وأطماعه التوسعية، باعتباره المولد الحقيقي للصراع، مؤكدًا أن تداعيات هذه الأطماع لم تعد محصورة في الشعب الفلسطيني، بل باتت تطال المنطقة بأكملها.
وأشار عيّاد إلى أن تأكيد مشعل على شرعية المقاومة يمثل انحيازا للإنسانية في مواجهة منطق التوحش والقوة، الذي لا تحكمه قوانين أو أخلاق، ولا يرى في الضعيف سوى مشروع للإقصاء أو الإبادة، معتبرًا أن هذا الواقع لا يمكن مواجهته إلا بالمقاومة وتضافر الجهود الدولية لردع المعتدي.
وأضاف أن المقاومة، وفق هذا الفهم، تستند إلى الحقوق الطبيعة للبشر في مواجهة الفوضى الأخلاقية والعنصرية، وهو ما يفسر حجم التعاطف الشعبي والدولي المتزايد مع الشعب الفلسطيني، بوصف قضيته اليوم أحد أبرز عناوين مواجهة الاضطهاد عالميًا.
أساس قانوني راسخ لحق المقاومة
بدوره، يوضح القانوني والحقوقي معتز عواد أن الأساس القانوني لحق الشعوب في تقرير مصيرها، بما في ذلك الكفاح المسلح، يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادتين الثانية والخامسة والخمسين، إضافة إلى عشرات قرارات الجمعية العامة ذات الصلة.
ويشير إلى أن قرار مجلس الأمن رقم (248) الصادر عام 1968، عقب معركة الكرامة، شكّل – وفق فقهاء القانون الدولي – كشفا قانونيا لحق المقاومة في ممارسة الكفاح المسلح ضمن الأراضي المحتلة، وهو ما يمكن القياس عليه في تحليل الأساس الذي استند إليه خطاب مشعل.
وأوضح عواد أن القانون الدولي الإنساني كفل للشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق تقرير المصير، ابتداءً بالمسارات السلمية والدبلوماسية، وصولًا إلى المقاومة المسلحة كخيار آخر أخير مشروع، إذا فُرض عليها ذلك.
وفيما يتعلق بالتمييز بين المقاومة والإرهاب، بيّن عواد أن تعريفات الإرهاب الدولية تعاني من إشكاليات سياسية وقانونية، مشيرًا إلى أن الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب استثنت صراحةً الكفاح المسلح ضد الاحتلال من وصف الإرهاب، كما أن الأمم المتحدة لم تُدرج فصائل المقاومة الفلسطينية ككيانات إرهابية.
وشدد على أن المطالب بنزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال تتعارض بشكل صريح مع حق تقرير المصير، معتبرًا أن نزع سلاح شعب محتل يعادل المطالبة بتجريده من حقه في الحياة والكرامة.
وأكد عواد أن ربط الإعمار أو رفع الحصار بإنهاء المقاومة يشكل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية، ويقع ضمن سياسات العقاب الجماعي التي قد ترقى إلى جرائم حرب، مشددًا على أن الحقوق الإنسانية الأساسية لا يجوز تعليقها على شروط سياسية أو أمنية.
وكان خالد مشعل قد أكد أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مفصلية تتطلب إعادة بناء الرؤية الوطنية، مشددًا على أن المقاومة ستبقى ثابتًا مركزيًا طالما استمر الاحتلال، وأن إسرائيل باتت مصدر تهديد إقليمي ودولي. وجاءت تصريحاته خلال كلمته في المنتدى الذي عقد تحت عنوان “القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية”.
وقال مشعل إن اعتراف 159 دولة بالدولة الفلسطينية خطوة إيجابية لكنها غير كافية، معتبرًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاعتراف إلى واقع سياسي على الأرض، وهو ما يتطلب جهدًا فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا ودوليًا.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY