Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

قصرة.. عائلات فلسطينية تحرس بيوتها فوق الجبل خوفا من تحولها إلى بؤرة استيطانية

في منزلين متقاربين على سفح جبل “رأس العين”، جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية، لا تنام العائلات الفلسطينية كما كانت تفعل من قبل. الطعام يُحسب بالأيام، والمياه بالكميات القليلة المتاحة، والكهرباء باتت رهينة أسلاك يقطعها المستوطنون، فيما تتحول الطرق المؤدية إلى البيوت إلى مسارات مغلقة، لا يستطيع الإسعاف أو الأقارب سلوكها بسهولة.

هناك، تعيش عائلة يوسف عبد السلام منذ أيام تحت حصار المستوطنين. يقيم يوسف مع زوجته وابنتيه، إحداهما في الرابعة والأخرى في الثانية من العمر، فيما تسكن والدته وشقيقته وشقيقه في المنزل المجاور. ومنذ أن نصب المستوطنون خيمة قرب المنزل وأغلقوا الطرق المؤدية إليه، أصبح الخروج من البيت أو إدخال الاحتياجات الأساسية إليه مهمة محفوفة بالمخاطر.

يقول عبد السلام لـ”قدس برس”، اليوم الخميس، إن عائلته تعيش حالة من الخوف، وإن ما يجري يذكّرها بما حدث لعائلة الطوباسي في قرية “جالود” المجاورة، التي غادرت منزلها بعد حصار واعتداءات استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن يستولي المستوطنون عليه.

ويضيف: “لا مفر لنا إلا الصمود حتى آخر نفس في المنزل”. ويقول إن ما يتوفر لدى العائلة من طعام قد يكفي نحو أسبوع، لكن المشكلة تكمن في عدم معرفة ما إذا كان بإمكان الأهالي إيصال الطعام والمياه إليهم مجددًا.

وعلى بعد نحو 30 مترًا، تعيش عائلة أبو ريدة الظروف ذاتها. نصب المستوطنون خيمة أمام منزلها، وأغلقوا الطريق، ومنعوا إدخال الغذاء والدواء والمياه، فيما قُطعت الكهرباء والمياه عن المنزل.

يقول قصي أبو ريدة إن العائلة تعاني اعتداءات ومضايقات منذ نحو أربعة أشهر، وإن أفرادها باتوا يعيشون في عزلة كاملة. ويضيف أن كمية الطعام المتبقية محدودة، وأن الخوف الأكبر يتمثل في نفاد المؤن من دون القدرة على إدخال بدائل.

ويقول أبو ريدة: “لن أترك منزلي، حتى إن اضطررت إلى العيش أيامًا على الماء والملح”، مؤكدًا أن العائلة “تعيش في منزلها وعلى أرضها”، وأنها لن تسمح بتحويل الحصار إلى وسيلة لإجبارها على الرحيل.

الحصار لا يترك للمرضى طريقًا

لم يعد الحصار مجرد تضييق على الحركة أو منع إدخال المؤن، بل امتد إلى الاحتياجات الطبية. ففي المنزل الذي تقيم فيه عائلة أبو ريدة، توجد طفلة مصابة في يدها، حاولت العائلة إخراجها للعلاج عبر سيارة إسعاف.

وبحسب إفادة أبو مالك القصراوي، شقيق صاحب المنزل، احتاج الأمر إلى ساعات من التنسيق، لكن المستوطنين اعترضوا سيارة الإسعاف ومنعوا وصولها إلى المنزل، فيما بقيت الطفلة داخله.

ويقول إن محاولات إدخال الطعام واجهت المصير ذاته، بينما حاول تسعة متضامنين أجانب وصحفيون الوصول إلى العائلات عبر طرق جبلية، لكنهم واجهوا منعًا من المستوطنين والجيش الإسرائيلي.

وتقول العائلة إن المنطقة شهدت انتشارًا واسعًا للقوات الإسرائيلية، وإن الجيش استخدم وجوده لفرض قيود إضافية على الوصول، بحجة أن المنطقة عسكرية، بينما بقي المستوطنون في محيط المنازل.

أربعة أشهر من الحراسة

لكن قصة عائلة أبو ريدة لم تبدأ مع الحصار الأخير. فمنذ نحو أربعة أشهر، يتناوب أفراد العائلة على الإقامة في الفيلا التي تعود ملكيتها إلى لؤي عبد المنعم أبو ريدة، المقيم في الولايات المتحدة والحامل للجنسية الأميركية، خشية أن يؤدي غياب صاحبها إلى تمكين المستوطنين من السيطرة عليها.

الفيلا، التي يقول أفراد العائلة إن كلفتها بلغت نحو ثلاثة ملايين شيكل، تقع في موقع مرتفع بجبل “رأس العين”، في منطقة مصنفة “ب”، وتحيط بها أراضٍ زراعية ومساحات واسعة.

وخلال الأشهر الماضية، تعرض المنزل، وفق رواية العائلة، لمحاولات متكررة لقطع الكهرباء، ورشق بالحجارة، والحصار. وللتغلب على انقطاع التيار، ركبت العائلة منظومة للطاقة الشمسية، لكن ذلك لم ينهِ المشكلة، إذ تعرضت خطوط الكهرباء المحيطة بالمنطقة للقطع أكثر من مرة.

يقول أبو مالك إن المستوطنين حاولوا خلال الأشهر الماضية تثبيت وجودهم في المنطقة، وإن محاولاتهم لإقامة بؤرة استيطانية تكررت رغم إزالتها في مرات سابقة.

“رأس العين”.. موقع في قلب المعركة

بالنسبة إلى سكان “قصرة”، لا يمكن فصل ما يحدث عن الموقع الجغرافي لجبل “رأس العين”. فالمنطقة ترتفع، وفق إفاداتهم، نحو 930 مترًا عن سطح البحر، وتطل على مساحات واسعة، كما تضم مصادر للمياه وأراضي زراعية.

ويقول الناشط عبد العظيم وادي إن المستوطنين بدأوا منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي نصب خيام في محاولة للسيطرة على الجبل، وإنهم قطعوا الكهرباء والمياه عن المنطقة لفترات طويلة، وسيطروا على منابع مياه، وأطلقوا مواشيهم في الأراضي الزراعية لإتلاف الأشجار والمحاصيل.

ويضيف أن المستوطنين يحاولون استكمال السيطرة على المنطقة من خلال تضييق الخناق على السكان، وقطع الطرق المؤدية إليها، وتحويل الوصول إلى المنازل إلى مهمة شاقة.

ويؤكد أن المستوطنين حاولوا إقامة بؤرة في المنطقة ثماني مرات، وأن البلدة لن تسمح بتكرار تجربة “جالود”، حيث أُجبرت عائلة الطوباسي على مغادرة منزلها بعد حصار طويل.

بلدة تحاصر من الجهات الأربع

ما يحدث في “رأس العين” ليس حادثة منفصلة في نظر سكان قصرة. فالبلدة نفسها تعيش منذ فترة تحت ضغط متزايد من الحواجز والبوابات والسواتر الترابية والاعتداءات الاستيطانية.

ويقول رئيس المجلس القروي، هاني عادل، إن القوات الإسرائيلية والمستوطنين يحاصرون حاليًا ثلاثة منازل في المنطقة الغربية للبلدة، في محاولة لإجبار أصحابها على إخلائها. ويصف المنطقة بأنها “المتنفس الوحيد المتبقي” للبلدة، بعدما أصبحت محاصرة من الجهات الأخرى.

ويشير إلى وجود نحو 15 منزلًا قيد الإنشاء في المنطقة، تعود لفلسطينيين هُجّروا سابقًا من مناطق أخرى، ما يجعلها هدفًا مهمًا في مخططات الاستيلاء على الأرض.

ويقول إن المستوطنين أغلقوا الطرق الأربعة المؤدية إلى المنطقة بالحجارة والبوابات، واستولوا على نبع المياه، فيما قُطعت خطوط الكهرباء ست مرات، وكانت طواقم البلدية تعاود إصلاحها رغم تعرضها للاعتداء.

في “قصرة”، لا تدافع العائلات عن جدران منازلها فقط. إنها تحاول إبقاء نافذة مفتوحة نحو أراضيها ومائها وطرقها وحقها في البقاء. وفوق جبل “رأس العين”، تبدو المنازل المحاصرة كأنها تقف وحدها في مواجهة خيام تتقدم ببطء، لكن سكان البلدة يقولون إن تركها يعني منح الحصار نهايته التي يريدها: الرحيل، ثم الاستيلاء، ثم تحويل المكان إلى واقع جديد يصعب تغييره.

وهكذا، تتحول الحياة اليومية في هذا الجزء من “قصرة” إلى معركة صغيرة في تفاصيلها، لكنها تحمل في خلفيتها سؤالًا أكبر: من يملك الأرض حين يصبح الوصول إلى البيت نفسه ممنوعًا، وحين تتحول حماية منزل إلى مهمة تستدعي الإسعاف والمتضامنين والصحفيين، بينما يواصل المستوطنون محاولة فرض وجودهم على قمة الجبل؟

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY