يتواصل الجدل حول التمويل الأوروبي لقطاع التعليم في فلسطين، في ظل تصاعد الاشتراطات المرتبطة بما تصفه المؤسسات الأوروبية بـ”تنقية المناهج من التحريض”، مقابل تأكيدات فلسطينية بأن هذه الضغوط تتجاوز الإطار التربوي، وتمتد إلى محاولة فرض سردية سياسية على المحتوى التعليمي.
ورغم التعديلات التي أدخلتها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية (التابعة للسلطة) على المناهج خلال السنوات الماضية، لا تزال الضغوط الأوروبية قائمة، بل تتجه نحو مزيد من التشدد، في مشهد يعكس فجوة مستمرة بين الطرفين بشأن تعريف “التحريض” وحدود التدخل الخارجي في الشأن التعليمي.
اشتراطات متجددة رغم التعديلات
خضعت المناهج الفلسطينية خلال الأعوام الأخيرة لسلسلة من المراجعات، شملت حذف أو تعديل بعض المضامين التي أثارت انتقادات أوروبية، وذلك في إطار تفاهمات غير معلنة هدفت إلى ضمان استمرار التمويل.
لكن، ووفق قرارات وتقارير صادرة عن البرلمان الأوروبي، تُعد هذه الخطوات غير كافية، إذ يتكرر التأكيد على ضرورة إجراء “مزيد من التعديلات”، وربط أي تمويل مستقبلي بالامتثال لما يُوصف بـ”معايير السلام والتسامح”.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس انتقالًا من طلب تعديلات جزئية إلى محاولة فرض نموذج تعليمي أكثر شمولًا، ما يضع الجانب الفلسطيني أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على الدعم المالي وصون روايته الوطنية.
البُعد السياسي أكثر منه تربوي
يرى محللون فلسطينيون أن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في مضمون المناهج، بل في طبيعة المطالب الأوروبية نفسها.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب إنّ “الضغوط الأوروبية على المناهج تأتي في سياق سياسي واضح، يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بما يتماشى مع الرؤية الغربية للصراع، وليس مجرد تحسين المحتوى التعليمي”.
ويضيف في حديثه لـ”قدس برس” أن “السلطة الفلسطينية قدّمت بالفعل تنازلات متعددة، سواء عبر التعديل أو الحذف، لكن المشكلة تكمن في أن سقف المطالب الأوروبية يتغير باستمرار، ما يجعل أي استجابة فلسطينية غير كافية بطبيعتها”.
من جهته، يعتبر المحلل السياسي طلال عوكل أن “ما يجري هو عملية ضغط تدريجية، تبدأ بملاحظات فنية، ثم تتحول إلى اشتراطات سياسية تمس جوهر الرواية الفلسطينية”.
ويشير في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن “الحديث الأوروبي عن التحريض يتجاهل السياق القائم تحت الاحتلال، حيث يعيش الطلبة واقعًا يوميًا من الانتهاكات، وهو ما ينعكس بشكل طبيعي في المناهج”.
تنازلات لا تقابل بضمانات
وبحسب متابعين، أبدت السلطة الفلسطينية مرونة ملحوظة في التعامل مع هذا الملف خلال السنوات الماضية، إدراكًا لأهمية الدعم الأوروبي في تمويل رواتب المعلمين وتطوير البنية التعليمية.
غير أن هذه المرونة، كما يرى محللون، لم تُقابل بضمانات أو استقرار في الموقف الأوروبي، بل استُخدمت كمدخل لطرح مطالب إضافية، ما عزز الانطباع بأن التنازلات لا تؤدي إلى تقليص الضغوط، بل إلى توسيعها.
ويقول الباحث في الشأن التربوي حسن خريشة إنّ “الاستجابة المتكررة للمطالب الخارجية دون وجود سقف واضح لها، تفتح الباب أمام مزيد من الضغوط، وقد تصل إلى حد إعادة صياغة المناهج بما يتوافق مع رؤى خارجية”.
دعم مستمر… بشروط أثقل
رغم التوتر القائم، لا يزال الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الداعمين لقطاع التعليم في فلسطين، من خلال تمويل برامج تشمل تطوير المناهج، ودعم المعلمين، والمساهمة في موازنات السلطة الفلسطينية.
إلا أن هذا الدعم بات، وفق التوجهات الأخيرة، أكثر ارتباطًا بآليات رقابة مشددة وشروط ذات أبعاد سياسية غير مباشرة، ما يثير تساؤلات حول طبيعته، وما إذا كان لا يزال دعمًا تنمويًا بحتًا، أم أداة للتأثير في السياسات الداخلية.
وكان قد أقرّ البرلمان الأوروبي، قبل أيام، قرارًا يقضي بتجميد المساعدات المالية المخصصة لقطاع التعليم التابع للسلطة الفلسطينية على خلفية اعتراضات أوروبية على محتوى المناهج الدراسية، واتهامات بتضمّنها مضامين اعتبرها نواب أوروبيون “تحريضية”.
وجاء القرار بعد تصويت أظهر تأييد 443 نائبًا، مقابل رفض 202، وسط دعم من كتل سياسية متعددة، من بينها أطراف محسوبة على تيار يسار الوسط.
وخلال المناقشات التي سبقت التصويت، اعتبر عدد من النواب الأوروبيين أن الإجراءات التي اتخذتها السلطة لإصلاح المناهج لم تصل إلى المستوى المطلوب، مشددين على ضرورة إدخال تعديلات إضافية قبل إعادة صرف التمويل.
رغ
وبموجب القرار، ربط البرلمان الأوروبي استئناف المساعدات بإجراء تغييرات جديدة على المناهج، تتعلق بحذف المضامين التي يصنّفها مؤيدو القرار ضمن إطار “التحريض والكراهية ومعاداة السامية”.
ويأتي هذا الموقف الأوروبي رغم التعديلات التي نفذتها السلطة على المناهج خلال الأعوام الماضية، في إطار الاستجابة لشروط وضغوط من الجهات المانحة، والتي شملت تعديل بعض المواد المرتبطة بالثوابت الوطنية والرموز الفلسطينية.
كما يأتي القرار في ظل خطوات أخرى اتخذتها السلطة، من بينها وقف مخصصات ورواتب الأسرى والشهداء والجرحى، في سياق تغييرات مرتبطة بملفات سياسية ومالية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY