في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتزايد الضغوط المعيشية، برزت أزمة جديدة تطال شريحة حساسة في المجتمع الفلسطيني، وهم الأسرى المحررون وعائلاتهم، عقب قرار قطع رواتبهم من قبل الجهات الرسمية. وجاءت هذه الخطوة في وقت يعاني فيه المجتمع من ظروف اقتصادية قاسية، ما ألقى بظلال ثقيلة على حياتهم اليومية، وأعادهم إلى دائرة القلق والعوز بعد سنوات من المعاناة داخل السجون.
ومع غياب البدائل وندرة فرص العمل، وجد العديد من المحررين أنفسهم أمام واقع معيشي خانق، دفع بعضهم إلى إطلاق مناشدات عاجلة للمسؤولين لإعادة النظر في القرار، فيما لجأ آخرون إلى التعبير عن معاناتهم عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية.
الصعب بدأ للتو
يقول أحد الأسرى المحررين (م.س)، وهو أب لخمسة أطفال: “بعد خروجي من السجن، كنت أعتقد أن أصعب المراحل قد انتهت، لكن ما نعيشه اليوم لا يقل قسوة؛ فالراتب الذي كان بالكاد يغطي احتياجات أسرتي قُطع فجأة، واليوم أجد نفسي عاجزًا عن توفير أبسط متطلبات الحياة لأبنائي، من طعام ودواء وتعليم”.
ويضيف بصوت يملؤه الألم لـ”قدس برس”: “طرقت كل الأبواب، ولا أحد يسمع. نحن لا نطلب رفاهية، بل الحد الأدنى من الحياة الكريمة. قضينا سنوات من أعمارنا خلف القضبان، وكان الأمل أن نجد من يقف إلى جانبنا بعد الحرية، لا أن نُترك لمواجهة هذا المصير وحدنا”.
خروج عن الصمت
وفي رسالة مؤثرة، يروي الأسير المحرر علي شواهنة جانبًا من معاناته بعد الإفراج عنه، مشيرًا إلى أنه أمضى 18 عامًا في السجون، دفع خلالها سنوات شبابه ثمنًا لما يؤمن به من حق وحرية وكرامة.
ويؤكد أنه خرج إلى الحياة بأمل بسيط يتمثل في العيش بكرامة وبدء صفحة جديدة، إلا أن الواقع جاء مغايرًا لتوقعاته.
ويضيف شواهنة في حديثه لـ”قدس برس”: “أعاني اليوم من ظروف معيشية صعبة في ظل انقطاع راتبي منذ عام كامل، دون وجود مبرر إداري أو قانوني واضح، رغم كوني مُفرغًا على ديوان المتقاعدين منذ عام 2022، ولدي رقم وظيفي وقسيمة راتب رسمية”. ويشير إلى أن هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل انعكس بشكل مباشر على كرامته واستقراره النفسي، معتبرًا ما حدث تجاهلًا لتضحياته.
وتتفاقم معاناة شواهنة في ظل ظروف عائلية قاسية، إذ يضطر إلى إعالة أطفاله الأربعة بمفرده بعد اعتقال زوجته، ما يضع على عاتقه مسؤوليات يومية كبيرة تتعلق برعايتهم ومتابعة شؤونهم الحياتية. ويؤكد أن هذه الأوضاع أدت إلى دخوله في أزمة نفسية واجتماعية ومالية خانقة، زادت من صعوبة التحديات التي يواجهها.
كما يلفت إلى معاناته من عدة أمراض مزمنة، ما يزيد من أعبائه في ظل غياب مصدر دخل ثابت، ويجعله أكثر حاجة إلى الاستقرار والدعم. ورغم ذلك، يؤكد تمسكه بانتمائه لوطنه، مشددًا على أنه لا يسعى إلى امتيازات، بل إلى حق أساسي يتمثل في العيش بكرامة.
وفي ختام حديثه، يعرب شواهنة عن أمله في إعادة النظر في قضيته، وإنصافه عبر إعادة راتبه، بما يمكنه من مواجهة متطلبات الحياة والاستمرار في أداء دوره كأب مسؤول عن أسرته في ظل هذه الظروف الصعبة.
شهادات من الميدان
ويروي الأسير المحرر أبو خالد، من شمال الضفة الغربية، أنه اضطر للعمل في مهنة شاقة داخل ورش البناء بعد أشهر قليلة من الإفراج عنه، رغم معاناته من آلام مزمنة في الظهر نتيجة سنوات الاعتقال.
ويقول لـ”قدس برس”: “كنا ننتظر أن نلتقط أنفاسنا بعد سنوات السجن، لكننا خرجنا لنواجه معركة جديدة من أجل البقاء”.
وفي شهادة أخرى، يوضح الأسير المحرر أبو محمد أنه اضطر للعمل في بسطات البيع على الطرقات لتأمين قوت يومه، بعد أن فقد مصدر دخله الوحيد. ويشير إلى أن مسؤولياته العائلية، خاصة تجاه أطفاله، دفعته لقبول أي عمل متاح مهما كانت ظروفه قاسية، لافتًا إلى أن “الحياة خارج السجن لا تقل صعوبة حين يُترك الأسير المحرر دون دعم”.
أما الأسير المحرر أبو العبد، فيتحدث عن انتقاله للعمل في الزراعة بأجر يومي متدنٍ، رغم محدودية قدرته الجسدية نتيجة آثار التعذيب والإهمال الطبي خلال فترة اعتقاله. ويؤكد أن غياب الراتب حوّله من شخص كان يأمل إعادة بناء حياته إلى إنسان يكافح يوميًا لتأمين احتياجات أسرته الأساسية.
وفي السياق ذاته، يشير أسير محرر آخر – فضل عدم الكشف عن اسمه – إلى أنه اضطر للعمل لساعات طويلة في مهن متفرقة، من بينها تحميل البضائع والعمل في الأسواق، موضحًا أن الضغوط النفسية والاقتصادية تتفاقم مع الشعور بعدم التقدير رغم سنوات التضحية.
ويضيف: “كنا نعتقد أن الحرية بداية الراحة، لكنها تحولت إلى بداية لمعاناة من نوع آخر”.
وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قد أصدر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 قرارًا بقانون ألغى بموجبه منظومة الاستحقاق القائمة على صفة الأسير أو الشهيد أو الجريح، واستبدلها بنظام “بحث اجتماعي موحد” يحدد الاستحقاق وفق معيار الاحتياج فقط، دون اعتبار لسنوات السجن أو طبيعة الإصابة أو صفة الشهادة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY