أعاد قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) بالسماح بدخول ما يُعرف بـ”مجلس السلام” إلى قطاع غزة، بعد فترة من منعه أو تعطيل حضوره، الجدل بشأن الجهة التي تسعى “إسرائيل” إلى تصدرها المشهد المدني في القطاع. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي طُرحت سابقًا كإطار لتولي إدارة الخدمات والشؤون اليومية، غائبة عن الواقع دون إعلان رسمي عن مباشرتها مهامها.
ولا ينظر مراقبون إلى القرار باعتباره إجراءً إداريًا فحسب، بل خطوة سياسية تحمل رسائل تتجاوز مسألة السماح أو المنع، لتطال طبيعة المشروع الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه في غزة بعد الحرب، عبر منح الشرعية لجهات محددة، مقابل إبقاء جهات أخرى خارج دائرة التأثير.
ويرى محللون أن التراجع عن منع “مجلس السلام” يعكس تحولًا في الحسابات الإسرائيلية، في ظل البحث عن أدوات محلية يمكن الاستفادة منها في إدارة بعض الملفات المدنية، دون الوصول إلى صيغة تمنح الفلسطينيين استقلالية حقيقية في إدارة شؤون القطاع.
في المقابل، يثير استمرار الغموض بشأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تساؤلات حول مصير الجهود التي رعتها أطراف إقليمية ودولية لتشكيل جسم إداري يتولى إدارة الخدمات بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
ويحذر مراقبون من أن تأخير تفعيل اللجنة قد يكون جزءًا من سياسة تهدف إلى إبقاء القرار الإداري في القطاع مرهونًا بالموافقة الإسرائيلية، بما يمنح تل أبيب قدرة أكبر على التحكم بمفاصل الحياة اليومية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع غزة انهيارًا غير مسبوق في البنية التحتية والخدمات الأساسية، حيث تحتاج القطاعات الصحية والتعليمية والبلديات والمياه والكهرباء إلى إدارة مستقرة وقرارات عاجلة، ما يجعل استمرار الفراغ الإداري عاملًا إضافيًا في تعميق الأزمة الإنسانية.
وأكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن الجهات الحكومية ومكونات العمل الوطني ما زالت ملتزمة بما تم الاتفاق عليه في مسودة اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك في ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بدخول ما يُسمى بـ”مجلس السلام” إلى القطاع، واستمرار الغموض بشأن دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وقال الثوابتة، في حديثه لـ”قدس برس”، إن الجهات الحكومية قدمت كل ما يلزم لإنجاح هذا المسار، وتُوّج ذلك بتقديم رئيس لجنة الطوارئ الحكومية محمد الفرا استقالته، وحل لجنة الطوارئ الحكومية قبل نحو عشرين يومًا، في خطوة تهدف إلى تغليب المصلحة الوطنية وتمهيد الطريق لتوحيد الصف الفلسطيني وخدمة المواطنين خلال هذه المرحلة الحساسة.
وأضاف أن النظر إلى دخول القوات الدولية يجب أن يقتصر على الالتزام الكامل بالمهام المحددة لها في الاتفاق، والتي تشمل تثبيت وقف إطلاق النار وضمان استكمال انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من كامل أراضي قطاع غزة، مؤكدًا رفض أي تجاوز لهذه الصلاحيات أو محاولة لفرض وقائع جديدة خارج إطار الاتفاق.
وأشار إلى أنه في ضوء الحديث عن الموافقة على انتشار القوات الدولية، فإن اللجنة الوطنية لإدارة غزة مطالبة بالإسراع في استلام مهامها دون تأخير، لا سيما أنها كانت قد ربطت دخولها إلى القطاع بانتشار تلك القوات.
وشدد الثوابتة على أن غياب الإعلان الرسمي عن مباشرة اللجنة الوطنية لعملها حتى الآن يثير تساؤلات بشأن جدية الأطراف المعنية، مطالبًا بالضغط لاستكمال هذا الاستحقاق الإداري والخدماتي، بما يضمن تقديم الخدمات الأساسية والاستجابة للاحتياجات العاجلة لسكان القطاع.
من جانبه، اعتبر الكاتب والباحث السياسي محمد بخيت أن دخول “مجلس السلام” والقوات متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة يمثل انقلابًا على الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تضمنت عشرين بندًا، مشيرًا إلى أن إسرائيل، بحسب رأيه، لم تنفذ منها سوى البند المتعلق بتسليم الأسرى والجثامين، وهو ما التزمت به المقاومة.
وأضاف أن هذه التطورات تعكس، من وجهة نظره، أن القرار الأمريكي والدولي بات مرهونًا إلى حد كبير بالموقف الإسرائيلي، رغم أن الجهات المفترض بها إدارة المرحلة لا يفترض أن تخضع لقرارات الاحتلال، لافتًا إلى أن دخول تلك القوات جاء بعد مصادقة الكابينت الإسرائيلي.
وأوضح بخيت أن سماح إسرائيل بدخول “مجلس السلام” والقوات متعددة الجنسيات، مقابل استمرار منع اللجنة الوطنية من دخول القطاع، يعكس أولوية الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، إذ تسمح تل أبيب بدخول جهات ترى أنها لا تتعارض مع متطلباتها الأمنية، وتمارس مهامها ضمن مناطق وصلاحيات محددة.
ورأى أن منع اللجنة الوطنية من مباشرة عملها يهدف إلى الحيلولة دون نشوء أي كيان إداري فلسطيني داخل القطاع، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا ترغب في منح أي جهة فلسطينية، سواء كانت تابعة لحركة حماس أو حركة فتح أو السلطة الفلسطينية أو حتى اللجنة الوطنية، دورًا فعليًا في إدارة غزة.
وأكد أن “إسرائيل”، بحسب تقديره، ترى أن اللجنة الوطنية لا تحقق أهدافها الأمنية، وفي مقدمتها نزع سلاح المقاومة، ولذلك لا تبدي استعدادًا للسماح لها بالعمل، رغم أنها تشكلت بدعم وتوافق دوليين.
وختم بخيت بالقول إن ما يجري على الأرض لا يعكس نهاية للحرب، بل إعادة إنتاج لها بأدوات مختلفة، مشيرًا إلى استمرار الضربات العسكرية وتدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية، وتفاقم أزمة الخدمات والإغاثة، معتبرًا أن الإجراءات الإسرائيلية، بدعم أمريكي، لا تمثل انفراجة حقيقية، وإنما تندرج في إطار إدارة الصراع واستمرار تداعياته.
وكان المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر الإسرائيلي (الكابينت) قد وافق، الأحد، على إدخال قوة الاستقرار الدولية التابعة لـ”مجلس السلام” إلى قطاع غزة، في حين أشار مسؤول في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى أن دخول القوات مشروط بموافقة “إسرائيل” وبالتنسيق الكامل مع جيش الاحتلال.
وتُعد قوة الاستقرار الدولية واحدة من 4 كيانات مخصصة لإدارة غزة، نصت عليها خطة ترامب لإنهاء الإبادة الإسرائيلية في القطاع، واعتمدها مجلس السلام الدولي بموجب قراره رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY