في مشهد يعكس حجم التحولات داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، عاد حزب “الليكود” الحاكم لطرح خيار الانتخابات المبكرة كأداة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، رغم أنه كان من أبرز المعارضين لهذا المسار خلال فترات سابقة، خصوصًا عندما طالبت به قوى المعارضة في ذروة الأزمات السياسية والأمنية التي عاشتها “إسرائيل” خلال الأعوام الماضية.
ويبدو أن هذا التحول لا يرتبط بمبدأ سياسي ثابت، بقدر ما يعكس حسابات القوة والمصلحة الحزبية، في ظل تغيّر موازين الضغط الشعبي والسياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية عقب الحرب على غزة، وما رافقها من انقسامات داخل الائتلاف الحاكم.
وخلال السنوات الماضية، رفض “الليكود” مرارًا الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة، معتبرًا أن إسقاط الحكومة أو الذهاب إلى صناديق الاقتراع في أوقات الأزمات يمثل “تهديدًا للاستقرار”، واتهم خصومه بمحاولة استغلال الظروف الأمنية لتحقيق مكاسب حزبية.
لكن هذا الخطاب بدأ يتبدل تدريجيًا مع تصاعد الضغوط الداخلية وتآكل صورة الحكومة الحالية أمام الرأي العام الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن دعوات “الليكود” الحالية لا تنفصل عن قراءة الحزب لاستطلاعات الرأي، ومحاولته استباق أي انهيار أوسع داخل الائتلاف، خاصة مع تنامي الخلافات بين الأحزاب الدينية والقومية المتشددة، إضافة إلى تصاعد الانتقادات لعجز الحكومة عن تحقيق أهدافها المعلنة في غزة أو استعادة الأسرى الإسرائيليين.
غير أن هذا التحول يفتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير السياسية؛ فالأطراف التي كانت تُتهم سابقًا بـ”العبث باستقرار الدولة” لمجرد مطالبتها بانتخابات مبكرة، تجد اليوم أن الحزب ذاته يتبنى الطرح نفسه عندما بات يخدم حساباته السياسية.
ويرى مختصون في الشأن الإسرائيلي أن مسألة الانتخابات المبكرة لم تعد مرتبطة فقط بالخلافات الحزبية، بل أصبحت انعكاسًا لأزمة أعمق تعيشها “إسرائيل” بعد الحرب، تشمل اهتزاز الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية، واتساع الفجوة بين الشارع ومؤسسات الحكم، إلى جانب تنامي الشعور بالفشل في إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية.
وقال المختص بالشأن الإسرائيلي مأمون أبو عامر إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه في المرحلة الحالية تحديات مع الأحزاب الحريدية الحليفة لحكومته، وفي مقدمتها أزمة تجنيد الحريديم، موضحًا أن حزب “يهودت هتوراه” يتخذ موقفًا متشددًا برفض تجنيد الحريديم بشكل قاطع، وهو الحزب الذي يمتلك ستة مقاعد داخل الائتلاف الحكومي.
وأوضح أبو عامر، في حديثه لـ”قدس برس”، أن نتنياهو يجد صعوبة في تلبية مطالب الحزب، بالتوازي مع ضغوط المؤسسة الأمنية التي تطالب بتوسيع دائرة التجنيد لتخفيف العبء عن جنود الاحتياط، ما يضعه أمام أزمة سياسية معقدة.
وأضاف أن الأحزاب الحريدية تمارس ضغوطًا على نتنياهو للدفع نحو انتخابات مبكرة، على أمل الدخول في مفاوضات لتشكيل حكومة جديدة قد تمنحها فرصة أفضل لتمرير قانون يعفي الحريديم من التجنيد.
وتابع أن نتنياهو، في المقابل، يسعى إلى إطالة عمر حكومته الحالية، وهو ما لا يخدم الأحزاب الحريدية التي تريد استثمار ورقة تفكيك الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة لتحقيق مكاسب سياسية.
وأشار أبو عامر إلى أن نتنياهو يعتقد أن تقديم موعد الانتخابات قد يمنحه مساحة أكبر للمناورة السياسية، خاصة في ظل استطلاعات الرأي التي لا تمنحه أغلبية مريحة، موضحًا أنه يحاول كسب الوقت على أمل تحقيق إنجاز أمني أو سياسي يعزز فرصه الانتخابية.
وشدد على أنه حتى في حال انسحاب حزب “يهودت هتوراه” من الائتلاف، فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى إسقاط الحكومة، كما أن تمرير مشروع قانون لحل “الكنيست” (برلمان الاحتلال) لن يكون مهمة سهلة في ظل انقسام المعارضة.
وأضاف أن حل “الكنيست” يتطلب انضمام حزب أو أكثر من أحزاب الائتلاف إلى المعارضة، إلى جانب انسحاب الأحزاب الحريدية، وهو ما يدفع نتنياهو إلى تسريع محاولاته لتحقيق إنجازات أمنية تضمن بقاءه في الحكم.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي ياسين عز الدين إنّ إجراء الانتخابات في موعدها الأصلي أو تقديمها لبضعة أشهر، في ظل الظروف الحالية، لا يخدم الليكود ونتنياهو.
وأضاف عز الدين لـ”قدس برس”، أنه يتوقع أن يلجأ نتنياهو إلى مغامرات جديدة، سواء في إيران أو داخل الأراضي الفلسطينية، على أمل تحقيق إنجازات سياسية أو عسكرية تنقذه من التراجع الشعبي، مشيرًا إلى وجود حالة إحباط متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي نتيجة استمرار الحروب وتبخر وعود “الانتصار”.
وأوضح أن فرص سقوط الائتلاف الحكومي الحالي لا تتجاوز 50 بالمئة في ظل الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في لجوء نتنياهو وحلفائه إلى تأجيل الانتخابات بحجة الحرب أو الظروف الأمنية، خاصة إذا اتجه نحو فتح جبهة تصعيد واسعة مع إيران أو غيرها.
وأكد عز الدين أن الأحزاب الحريدية قررت الانسحاب من الائتلاف والدفع نحو حل “الكنيست” بسبب غضبها من مماطلة نتنياهو في تمرير قانون يعفي الحريديم من التجنيد، فيما يحاول الليكود استباق هذه الخطوات حتى لا يظهر بمظهر الطرف الخائف من الانتخابات أو فاقد السيطرة على المشهد.
وختم بالقول إن الخلاف الرئيسي بين نتنياهو والمعارضة يتمحور حول قضيتين أساسيتين: الأولى تتعلق بشخص نتنياهو نفسه، في ظل الخصومات السياسية المتراكمة ضده، والثانية تتعلق بمسألة تجنيد الحريديم وتقليص الامتيازات والمخصصات المالية الممنوحة لمدارسهم الدينية.
وبحسب استطلاع رأي، نشرته صحيفة “معاريف العبرية”، فإن المعارضة ستحصل، في حال خوض الانتخابات بالتحالفات الحالية، على 60 مقعداً، مقابل 50 مقعداً لمعسكر نتنياهو، و10 مقاعد للأحزاب العربية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY