Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

المسعودية… محطة تاريخية بين الإهمال الفلسطيني وأطماع الاحتلال

على السفوح الشمالية لبلدة برقة، شمال مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، تتوارى منطقة “المسعودية” الأثرية وسط الخضرة والتلال والسهول الزراعية، حاملة في مبانيها القديمة وسككها التي اختفت مع الزمن، جزءًا مهمًا من تاريخ فلسطين.

فمن محطة رئيسية للسكك الحديدية في العهد العثماني، تحولت “المسعودية” إلى موقع مهمل يواجه خطر التدهور، بالتزامن مع استمرار الأطماع الاستيطانية الإسرائيلية الرامية إلى السيطرة على المنطقة وتغيير طابعها التاريخي.

وتعود جذور “المسعودية” إلى مطلع القرن العشرين، حين ارتبط اسمها بسكة حديد الحجاز، التي شكلت إحدى أهم شبكات النقل في المنطقة خلال العهد العثماني، وربطت أجزاء من بلاد الشام بالمناطق الحجازية.

وبحسب عضو مجلس قروي برقة سامي دغلس، فإن تاريخ المنطقة يعود إلى عام 1908، عندما تبرعت عائلة آل مسعود بقطعة أرض تبلغ مساحتها 26 دونمًا لصالح مشروع سكة الحجاز، قبل أن تقام محطة مركزية للسكك الحديدية في الموقع عام 1914.

ويقول دغلس لـ”قدس برس” إن محطة المسعودية أصبحت في ذلك الوقت نقطة مهمة على شبكة السكك الحديدية، وربطت بين مناطق ومدن فلسطينية عدة، كما شكلت محطة ضمن الخطوط التي كانت تصل حيفا ونابلس وجنين وطولكرم، وصولًا إلى مناطق الأردن وبلاد الحجاز.

غير أن أهمية الموقع التاريخية لم تحمه من الإهمال، إذ باتت المنطقة، وفق الواقع القائم فيها، تعاني من تراجع أعمال الصيانة والترميم، فيما تقف مباني المحطة القديمة شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ فلسطين، وسط الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ عليها ومنع تدهورها.

ويشير دغلس إلى أن المسعودية لم تحظَ بالاهتمام الكافي، سواء على المستوى الإعلامي أو من خلال تنفيذ مشاريع تطويرية تحفظ الموقع وتستثمر أهميته التاريخية والسياحية.

وفي المقابل، تتزايد المخاوف الفلسطينية من المخططات الإسرائيلية التي تستهدف المنطقة، في ظل موقعها الجغرافي القريب من بلدة سبسطية ومواقعها الأثرية.

ويقول دغلس إن سلطات الاحتلال سعت إلى تصنيف المسعودية ضمن ما يسمى “الحدائق القومية”، مستفيدة من قربها من الموقع الأثري في سبسطية، في محاولة لفرض رواية إسرائيلية على المنطقة والسيطرة على أراضيها ومواقعها التاريخية.

ولم تكن المسعودية بعيدة عن محاولات الاستيطان منذ سنوات طويلة، إذ يشير الباحث رائد موقدي إلى أن المنطقة استُخدمت خلال سبعينيات القرن الماضي في نشاطات مرتبطة باليمين الإسرائيلي، كما شهدت محاولات لإقامة بؤر استيطانية فيها.

وفي عام 1997، حاول مستوطنون إقامة بيوت متنقلة في المنطقة بهدف الاستيلاء عليها، إلا أن مواجهة أهالي برقة والقرى المحيطة أفشلت تلك المحاولة، بحسب موقدي.

ومع تزايد المخاوف من فقدان المنطقة، بادر عدد من أهالي المنطقة والجهات المحلية عام 2010 إلى تشكيل “لجنة إعمار المسعودية”، بمشاركة مؤسسات حكومية ومحلية، بينها وزارات الحكم المحلي والزراعة والسياحة والآثار والنقل والمواصلات، وسلطة البيئة ومحافظة نابلس وبلدية نابلس وبلدية سبسطية ومجلس قروي برقة.

وكان الهدف من تشكيل اللجنة حماية المنطقة من المخططات الإسرائيلية والعمل على تطويرها والحفاظ على إرثها التاريخي.

ويقول أحد أعضاء لجنة إعمار المسعودية، ذياب مسعود، إن المنطقة تعرضت على مدار السنوات الماضية لعمليات استهداف ونهب، شملت سرقة أجزاء من الآثار والمقدرات التاريخية، إضافة إلى اختفاء السكك الحديدية المعدنية التي كانت تشكل جزءًا من هوية الموقع.

ويضيف أن الاحتلال يفرض قيودًا على أعمال الترميم والتطوير في المنطقة، الأمر الذي جعل الحفاظ على الموقع مهمة أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل وقوع أجزاء منه ضمن المناطق المصنفة “ج”، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

ورغم تشكيل لجنة الإعمار وتقديم العديد من المطالبات والمراسلات للجهات الرسمية، يرى القائمون على المنطقة أن الإنجازات بقيت محدودة، وأن المسعودية لم تحصل على مشاريع حقيقية تتناسب مع قيمتها التاريخية والسياحية.

وأمام غياب مشاريع تطويرية واسعة، بادر مجلس قروي برقة وعدد من أبناء المنطقة إلى تنفيذ خطوات محدودة، شملت إنشاء متنزه ومرافق للزوار ومقاعد وجلسات، إلى جانب بعض الخدمات التي ساهمت في جذب العائلات الفلسطينية إلى المكان.

وتحولت المسعودية، في فترات مختلفة، إلى مقصد للمتنزهين ومحبي الطبيعة والتاريخ، بفضل موقعها الذي يجمع بين المباني الأثرية والطبيعة الزراعية والمسارات القديمة للسكك الحديدية.

لكن القائمين على المنطقة يؤكدون أن هذه الجهود لا تزال أقل من حجم الاحتياجات، إذ تحتاج المسعودية إلى خطة متكاملة تشمل ترميم مباني المحطة التاريخية، وتأهيل الطرق، وزراعة المساحات المحيطة، وإنشاء مسارات سياحية وتعريفية، فضلًا عن توفير الحماية اللازمة للموقع.

كما يطالب أهالي المنطقة بإدراج المسعودية ضمن برامج الرحلات المدرسية والأنشطة السياحية، وإصدار مواد تعريفية توثق تاريخها وأهمية محطة القطار ودورها في تاريخ فلسطين.

وبين الإهمال الرسمي والقيود الإسرائيلية، تبقى المسعودية أمام تحديين متوازيين: حماية موقع تاريخي فلسطيني من التدهور، ومواجهة المخططات الاستيطانية التي تسعى إلى السيطرة عليه.

فالمسعودية ليست مجرد مبنى قديم أو محطة قطار مهجورة، بل جزء من ذاكرة فلسطين الحديثة، وشاهد على مرحلة ربطت نابلس ومدن فلسطين ببلاد الشام. وبين جدران المحطة المتداعية وأشجار المنطقة وسهولها، يتجدد السؤال حول المسؤولية عن إنقاذ المكان.

ويرى أهالي المنطقة أن الحفاظ على المسعودية يتطلب أكثر من مبادرات فردية محدودة، بل يحتاج إلى خطة فلسطينية شاملة تجمع بين الترميم والحماية والتطوير، وتعيد للموقع مكانته التاريخية والسياحية.

ومع استمرار الأطماع الإسرائيلية، يصبح إنقاذ المسعودية مسألة تتجاوز الحفاظ على مبنى أثري، لتتحول إلى معركة من أجل حماية الأرض والرواية والذاكرة الفلسطينية، ومنع تحويل واحد من أهم شواهد التاريخ في شمال الضفة الغربية إلى مساحة جديدة للسيطرة الاستيطانية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY