لدخول شهر شعبان وقعٌ خاص لدى العائلات النابلسية، ولا سيما في مدينة نابلس نفسها؛ لما يحمله هذا الشهر من مكانة اجتماعية، وارتباطه بعادةٍ تفردت بها المدينة عن غيرها، باتت تُعرف لاحقًا باسم “الشعبونية” (نسبة لشهر شعبان)، وهي عادة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل حتى يومنا هذا.
فما إن يهلّ شهر شعبان حتى يتحوّل الشغل الشاغل لكثير من العائلات في نابلس إلى التساؤل: متى وكيف سيتم إحياء فعالية “الشعبونية” داخل العائلة؟ ومن يسبق مَن في استضافة الأرحام وإكرامهنّ والتفاخر بذلك؟
ولهذه العادة جذور وأصول وعمق تاريخي، كما يقول الحاج فريد المصري، الذي أكد في حديثه لـ”قدس برس” أن أهالي المدينة، منذ عشرات السنين، اعتادوا إحياء هذه المناسبة وتنظيمها من خلال الاجتماع على موائد طعام شعبية كبيرة، تُدعى إليها النساء من الأرحام، على وقع الأهازيج وتبادل التهاني بقرب حلول شهر رمضان المبارك.
ولم تقتصر عادة “الشعبونية”، بحسب المصري، على الاجتماع في البيوت وإقامة الولائم فقط، بل كان الجميع في بعض الأحيان يخرجون في نزهات جماعية إلى الجبال والسهول، حيث تُقام الولائم هناك، نظرًا لكثرة أعداد المشاركين التي لا يمكن أن يستوعبها منزل عادي.
وكان يُنظر إلى تلك الفسح والتجمعات، وما يصاحبها من لهوٍ مباح – كما وصفها المصري – على أنها استعداد نفسي واجتماعي لأجواء شهر رمضان، وتذكير بما يحمله من أبعاد تعبدية وروحية واجتماعية.
من جهته، يكشف الحاج إسماعيل الطنبور، أحد سكان البلدة القديمة في نابلس، عن تفصيلٍ لافت في عادة “الشعبونية”، يتمثل في أن المرأة المدعوة كانت تملك الحق في طلب ما لذّ وطاب من الأطباق خلال فترة إقامتها لدى عائلتها، والتي كانت تتراوح بين ثلاثة أيام وأسبوع كامل.
ويشير الطنبور إلى أنه، ومع تعاقب السنوات وتغيّر أنماط الحياة، لم تعد عادة مبيت المرأة في بيت والديها خلال “الشعبونية” قائمة كما في السابق، إذ بات الأمر يقتصر على إقامة الولائم والتجمعات العائلية التي قد تمتد لساعات طويلة، وتضم الزوجات والبنات والعمّات والخالات وبناتهنّ، إلى جانب الأطفال.
بدوره، يتحدث الداعية جعفر هاشم عن هذه العادة قائلاً: “رغم الطابع الاجتماعي الواضح للشعبونية، إلا أن لها بُعدًا دينيًا عميقًا، كونها تتزامن مع شهر شعبان المعروف بمكانة الأعمال الصالحة فيه، فضلًا عن دورها في التمهيد النفسي والروحي والتعبدي لاستقبال شهر رمضان المبارك”.
ويضيف هاشم أن فكرة دعوة الأرحام إلى موائد شعبان، والاحتفاء بهنّ وإكرامهنّ، تُعدّ أحد أشكال صلة الرحم التي يحثّ عليها الإسلام في العديد من الأحاديث النبوية، وهو ما يعزز من مكانة هذه العادة، ويجعلها منسجمة مع تعاليم الدين الإسلامي، الأمر الذي أسهم في ترسيخها كعادة ثابتة يتمسّك بها أهالي نابلس، المعروفة بطابعها الديني وحرص أهلها على الحفاظ على العادات ذات الخلفية الدينية.
ويختصر هاشم ذلك بقوله: “إن الشعبونية عادة اجتماعية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبعد الديني، إذ تركز بالدرجة الأولى على صلة الرحم، ثم تأتي بوصفها احتفالًا وتمهيدًا لاستقبال شهر رمضان المبارك”.
من جانبه، يرى الكاتب أسامة ملحس أن نابلس استطاعت الحفاظ على هذه العادة لكونها تعبيرًا حقيقيًا عن الهوية الفلسطينية، فضلًا عن دورها في تعزيز الترابط الأسري والاجتماعي، وتوفير مساحة للفرح والسعادة، رغم ما تعيشه الأراضي الفلسطينية من نكسات ونكبات وابتلاءات متواصلة.
وتُبدع النساء النابلسيات خلال “الشعبونية”، بحسب ملحس، في إعداد الأطباق التراثية، مثل المسخن والمفتول والعكوب والمنسف، إضافة إلى أطباق الحلويات، وعلى رأسها القطايف والكلاج والكعك النابلسي.
ويرى ملحس أن قدرة المجتمع النابلسي على الحفاظ على هذه العادة تدل على تمسكه بتراثه وعاداته وتقاليده، رغم مظاهر الحداثة والتطور والتغير في أنماط العلاقات الاجتماعية.
ولم يُنكر ملحس التأثير الكبير للأوضاع الاقتصادية على هذه المناسبة، مؤكدًا أن كثيرًا من العائلات لم تعد قادرة على إقامة تلك التجمعات، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى تقليص أعداد المدعوين ونوعية الأطباق المقدمة وكمياتها.
وهكذا، لا تبدو “الشعبونية” في نابلس مجرد عادة موسمية عابرة، بل مرآةً لروح المدينة التي تُجيد تحويل المناسبات إلى فعل تواصل حيّ بين الناس، بين جبلي جرزيم وعيبال، حيث تختلط رائحة الطعام الشعبي بصوت الأهازيج وضحكات الأطفال، وتُعيد نابلس في كل عام إنتاج ذاكرتها الجمعية، معلنةً استعدادها الروحي والاجتماعي لاستقبال شهر رمضان المبارك.
QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY