Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

واشنطن ودمشق… انفتاح متسارع بين تحول استراتيجي وحسابات الأمن الإقليمي

تتجه العلاقة بين الولايات المتحدة والإدارة السورية الجديدة نحو مسار متسارع يحمل مؤشرات على إعادة تشكيل موقع سوريا في الإقليم، وسط انفتاح أمريكي لافت تقابله دبلوماسية سورية نشطة تسعى لإعادة التموضع بعد سنوات من العزلة.

هذا المسار، رغم زخمه، يتقاطع مع اعتبارات معقدة، في مقدمتها أمن “إسرائيل”، وتوازنات القوى الإقليمية، ما يجعله محكوماً بسقف سياسي وأمني دقيق، تتحرك ضمنه الأطراف بحذر.

وقال الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل، إن ما تشهده العلاقات السورية الأمريكية اليوم يمثل تحولاً استراتيجياً حقيقياً، يتجاوز في طبيعته أي تقارب سابق، مشيراً إلى أن ما جرى في تسعينات القرن الماضي كان محكوماً بسياق تفاوضي تقني ضمن عملية السلام، بينما يجري اليوم إعادة تعريف شاملة لموقع سوريا في المنظومة الإقليمية والدولية.

وأشار خليل في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن دمشق نجحت عبر دبلوماسيتها النشطة في إعادة تموضعها، بحيث باتت واشنطن تنظر إليها كـ”حجر زاوية” في استقرار المنطقة، وهو توصيف تكرر على لسان مسؤولين أمريكيين، بينهم الرئيس الأمريكي والمبعوث الخاص إلى سوريا.

وأضاف أن هذا التحول يرتبط برؤية أمريكية أوسع تقوم على إعادة هندسة الشرق الأوسط كمساحة استقرار وتنمية، في ظل إدراك واشنطن للتحديات العالمية، خاصة صعود الصين.

ونوّه إلى أن خروج دمشق من معادلة المحاور التقليدية، وتراجع ارتباطها بمحور إيران وروسيا، ترافق مع انفتاح على قوى إقليمية تعد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة، مثل السعودية وقطر وتركيا، معتبراً أن هذا التموضع الجديد يضع سوريا في قلب محور إقليمي قيد التشكل، قد يعيد رسم توازنات المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

وفي توصيفه لمسار العلاقة، قال خليل إن العلاقات السورية الأمريكية دخلت “عهداً جديداً”، مشيراً إلى أن هذا المسار لا يزال في طور التشكل، رغم ما يحمله من مؤشرات قوية، أبرزها رفع العقوبات الأمريكية بشكل كامل خلال اجتماع الرياض في مايو الماضي، ودعم واشنطن للموقف السوري في مسار المفاوضات مع إسرائيل.

وأضاف أن هذه الخطوات تعكس مستوى غير مسبوق من الانخراط الأمريكي، مرجحاً أن تتجه العلاقة نحو ما وصفه بـ”عصر ذهبي”، مدفوعاً بالأهمية الجيوسياسية لسوريا، خاصة موقعها الحيوي على ممرات الطاقة التي تربط جنوب شرق آسيا والهند بأوروبا.

ونوّه خليل إلى أن هذا المسار، رغم طابعه الاستراتيجي، لا يزال عرضة للاهتزاز، حيث أشار إلى أن العلاقات “لا تزال في طور التشكل”، لافتاً إلى أن ما يعكر صفوها هو ما وصفه بـ”الشغب العسكري” لليمين المتطرف في “إسرائيل”، والذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتخاذ مواقف ضاغطة، من بينها “رفع الكرت الأحمر” في وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقائهما في فلوريدا نهاية العام الماضي، إضافة إلى ضغوط أمريكية لاحقة عليه في الملف اللبناني.

وأشار إلى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تبقى وثيقة إلى حد يصعب فصله، حيث يمثل أمن “إسرائيل” وتفوقها العسكري أولوية ثابتة في السياسة الأمريكية، غير أنه لفت إلى وجود هوامش يتحرك ضمنها الطرفان، خاصة في ظل تضارب المصالح بين ترامب ونتنياهو في بعض الملفات، وعلى رأسها الساحة السورية.

وأوضح خليل أن السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه سوريا يحمل طابعاً تكتيكياً أكثر منه استراتيجياً، معتبراً أن تل أبيب لا تمتلك رؤية واضحة لما تريده من سوريا، وأن التصعيد العسكري يرتبط في جانب كبير منه بحسابات داخلية وشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يسعى، وفق تقديره، إلى تعزيز موقعه السياسي في ظل أزمات داخلية وضغوط قانونية.

وأضاف أن إسرائيل تستخدم الساحة السورية كورقة ضغط في أكثر من اتجاه، سواء في مواجهة دمشق ضمن أي تسوية مستقبلية، أو في إطار المناورة مع الإدارة الأمريكية، أو حتى في سياق مخاطبة الداخل الإسرائيلي، خاصة في ظل عام انتخابي، ما يدفعها إلى فتح جبهات متعددة لإظهار قدرتها على السيطرة.

وفي سياق متصل، أشار خليل إلى أن الرؤية الأمريكية الأوسع للمنطقة تقوم على ما وصفه بـ”عصر السلام والازدهار”، الذي يهدف إلى دمج المنطقة اقتصادياً وأمنياً، بما يشمل إدماج “إسرائيل” عبر اتفاقيات تطبيع، موضحاً أن واشنطن سعت إلى توسيع هذا المسار ليشمل سوريا ولبنان، لكنها خفضت سقف أهدافها مؤقتاً نحو اتفاقات أمنية مرحلية، نتيجة التعنت الإسرائيلي واستمرار التصعيد العسكري.

ونوّه إلى أن القرار في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية يبقى بيد واشنطن، رغم وجود تنسيق عسكري وأمني عالٍ، مشيراً إلى أن إدارة ترامب اتجهت نحو ما وصفه بـ”دبلوماسية الرؤساء”، التي تتجاوز الأطر المؤسساتية التقليدية، ما منحها هامشاً أوسع في إدارة الملفات الإقليمية.

وفي ما يتعلق بالخيارات السورية، أوضح خليل أن دمشق تبنت مقاربة واقعية تقوم على الانخراط في مسارات تفاوضية، مستفيدة من الانفتاح الأمريكي غير المسبوق لكسب الشرعية السياسية، والعمل على إعادة ترتيب الداخل، سواء من خلال تعزيز وحدة البلاد أو ضبط الأمن.

وأشار إلى أن واشنطن دعمت هذا التوجه بشكل واضح، سواء عبر دعم مسار التفاوض مع “قسد”، أو عبر توفير بيئة سياسية تساعد على إنجاح التجربة السورية الجديدة، إضافة إلى ممارسة ضغوط على “إسرائيل” في بعض المحطات لتخفيف التصعيد.

وختم خليل بالإشارة إلى أن غياب منظومة ردع عسكرية قوية لدى سوريا دفعها إلى اعتماد الخيار التفاوضي كمسار استراتيجي، معتبراً أن هذا الخيار يستند إلى توظيف الرصيد الجيوسياسي لسوريا، والانفتاح الدولي المتزايد عليها، بما يسمح لها بتحقيق مكاسب سياسية دون الانجرار إلى مواجهات مكلفة.

من جهته، قال الباحث في مركز “جسور” رشيد حوراني إن العلاقة الأمريكية السورية انتقلت من مرحلة الاختبار إلى التعاون، مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ودمجها تدريجياً ضمن المنظومة الأمنية الإقليمية، مشيراً إلى أن هذا المسار لا يزال في طور التجربة.

وأضاف أن الدعم الأمريكي يتخذ طابعاً غير مباشر، حيث رفعت واشنطن العقوبات دون أن تنخرط في مشاريع تنموية، في وقت تضع فيه دمشق أمام استحقاقات تتعلق بإعادة ترتيب علاقاتها، خاصة تقليص الوجود الروسي.

ونوّه رشيد في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن إنهاء النفوذ الإيراني يمثل أولوية أمريكية، وأن هذا الهدف يتقاطع مع تحقيق أمن إسرائيل، ما يدفع واشنطن إلى تشجيع تفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب، معتبراً أن سلوك سوريا في تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة مواجهة، يعزز من موقعها في هذه المعادلة.

وتعكس هذه المعطيات مساراً مركباً للعلاقة بين دمشق وواشنطن، يتأرجح بين تحول استراتيجي واعد، وقيود تفرضها حسابات الأمن الإقليمي، في ظل محاولة سورية لإدارة هذا التوازن بما يعزز استقرارها ويعيد تثبيت موقعها في المشهد الدولي.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY