أحدثت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة تحولًا واسعًا في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، ودَفعت بها إلى موقع متقدم في وعي الأجيال الشابة، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة.
ومع تحول حالة التضامن الشعبي والشبابي مع فلسطين في الغرب إلى ظاهرة تستحق الدراسة، بعد مرور ثلاث سنوات على “طوفان الأقصى” وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، استطلعت “قدس برس” آراء وتحليلات اثنين من الخبراء والباحثين بشأن التحولات التي طرأت على صورة القضية الفلسطينية في المجتمعات الغربية، وانعكاساتها على الأجيال الشابة.
وفي حديثه لـ”قدس برس”، أكد الكاتب والمحلل في الشؤون الدولية حسام شاكر أن فلسطين أصبحت “رمزًا حاضرًا في وعي الأجيال الصاعدة حول العالم”، وإن تفاوت مستوى هذا الحضور بين بيئة غربية وأخرى.
وأضاف شاكر أن “فلسطين باتت قضية قيمية ومبدئية وأخلاقية، تلتف حولها أصوات وشخصيات عامة ونخب ثقافية وفنية وأدبية ومجتمعية بصورة غير مسبوقة”.
وأوضح أن المزاج الشبابي في الغرب شهد تحولًا “لا يمكن إنكاره”، مشيرًا إلى أن نخبًا ثقافية وشبكية باتت تضع فلسطين ضمن التزاماتها العلنية، بما يعكس تغيرًا عميقًا في الصورة الذهنية والرواية العامة بشأن القضية الفلسطينية.
وأشار شاكر إلى أن “ما لحق بصورة الاحتلال من خسائر لا يمكن ترميمه بسهولة”، رغم محاولاته تعطيل الاستجابة السياسية لهذا التحول.
وبيّن أن “ثبات الشعب الفلسطيني وتضحياته وانكشاف حقيقة الاحتلال أمام العالم أسهما في نزع القناع عن الاحتلال، وإظهاره على حقيقته أمام الجمهور العالمي”.
وقال شاكر إن “الانحياز للاحتلال أصبح أكثر كلفة على مستوى الصحافة والإعلام”، موضحًا أن وسائل الإعلام “لم تعد قادرة على تمجيد إسرائيل بالصراحة التي ظهرت في بداية حرب الإبادة”.
وأضاف أن “بعض وسائل الإعلام الغربية لا تزال منحازة للاحتلال، لكنها تمارس هذا الانحياز بطريقة مختلفة، من خلال إنكار الإبادة الجماعية أو تجاهلها، رغم تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والشواهد المرئية”.
وأكد شاكر أن امتناع وسائل إعلام غربية عن الاعتراف بالإبادة والتطهير العرقي يمثل، وفق تقديره، “انحيازًا واضحًا”، حتى مع تراجع قدرتها على التعبير الصريح عن دعم الاحتلال تحت ضغط الجمهور.
من جانبه، أكد الكاتب والباحث الفلسطيني عزات جمال، في حديثه لـ”قدس برس”، أن الاحتلال حاول منذ اللحظات الأولى لحرب الإبادة اختزال الصراع في أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، وكأن ما سبقه لم يكن احتلالًا ولا حصارًا ولا استيطانًا ولا تنكيلًا بالشعب الفلسطيني.
وأضاف جمال أن “هذه السردية أصبحت بعد ثلاث سنوات أقل قدرة على الصمود، لأن غزة نفسها، بما شهدته من دمار ودماء وتجويع، تحولت إلى نقطة مركزية لفهم القضية الفلسطينية”.
وأوضح أن “استطلاعات الرأي عكست هذا التحول، إذ بلغت النظرة السلبية إلى الاحتلال 67 بالمئة في 36 دولة، وتجاوزت 70 بالمئة في عدد من الدول الأوروبية”.
وأضاف جمال أن استطلاع مؤسسة “غالوب” في شباط/فبراير 2026 سجل تحولًا لافتًا في الولايات المتحدة، إذ قال 41 بالمئة من الأميركيين إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 36 بالمئة مع الإسرائيليين.
وبيّن أن التحول الأبرز ظهر بين الشباب، إذ ينظر 58 بالمئة من الأميركيين دون سن الثلاثين بإيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32 بالمئة فقط إلى الإسرائيليين.
وأكد جمال أن القضية الفلسطينية انتقلت، في جانب من الخطاب الغربي، من كونها “نزاعًا مزمنًا” إلى قضية حقوق واحتلال ومساءلة، تشمل ملفات الاستيطان والحصار والدولة الفلسطينية والقانون الدولي.
وأشار إلى أن الجامعات الغربية والحركات الطلابية والنقابات والمظاهرات ومنصات التواصل الاجتماعي دفعت القضية الفلسطينية إلى قلب المجال العام، وفرضت على السياسيين اتخاذ مواقف بشأنها، وإن بقيت تلك المواقف، وفق تقديره، دون مستوى المطلوب.
وختم جمال حديثه بالقول إن “7 أكتوبر لم ينه القضية الفلسطينية، بل أعادها إلى مركز النقاش الدولي، وأعاد الفلسطيني إلى الوعي العالمي بوصفه إنسانًا وشعبًا صاحب حقوق وطنية وسياسية وقانونية”.
وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يو السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.
وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
ويذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ولكن يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت وزارة الصحة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,462 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 5 آلاف و151 إصابة، إلى جانب انتشال جثامين 836 شهيدًاً.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY