أعادت تصريحات رئيس حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الخارج، خالد مشعل، خلال مشاركته أمس الأحد في منتدى الجزيرة السابع عشر في الدوحة، النقاش حول مستقبل المقاومة في قطاع غزة وحدود المقاربات السياسية الممكنة في ظل الاحتلال، في وقت تتكثف فيه الضغوط الدولية والإسرائيلية لربط الإغاثة وإعادة الإعمار بشروط تتعلق بسلاح المقاومة وشكل الصراع في المرحلة المقبلة.
وقال المحلل السياسي مأمون أبو عامر إن خطاب مشعل جاء واضحًا في تأكيده على شرعية المقاومة بوصفها حقًا أصيلًا للشعب الفلسطيني، وهو حق تثبته الشرعية الدولية ما دام الاحتلال قائمًا في غزة والضفة الغربية. وأشار إلى أن هذا الحق لا يمكن تجاوزه سياسيًا، وأن المقاومة ترفض التعامل مع سلاحها باعتباره بندًا قابلًا للتفاوض أو التنازل.
وأوضح أبو عامر في حديثه لـ”قدس برس” أن مشعل قدّم مقاربة تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب في غزة، تقوم على الانتقال من التعافي الإنساني إلى التعامل مع واقع سياسي معقد دون التفريط بالحقوق الثابتة. واعتبر أن هذه المعادلة تتطلب جهدًا كبيرًا من المقاومة لتجنب فرض شروط إسرائيلية تهدف إلى إظهار الاحتلال منتصرًا وكاسرًا لإرادة الفلسطينيين.
وحذّر من أن المطالب الإسرائيلية بنزع سلاح المقاومة ستخلق فراغًا أمنيًا في غزة في ظل غياب قوة فلسطينية قادرة على ضبط الوضع، مشيرًا إلى أن السلاح الموجود هو بطبيعته دفاعي، ويستخدم لإلحاق الخسائر بقوات الاحتلال عند التوغل، كما ظهر في عمليات تدوير المتفجرات والاشتباكات المحدودة.
وأضاف أن الاحتلال لا يقبل بأي شكل من أشكال المقاومة، حتى لو أعلنت التخلي عن سلاحها، متسائلًا عن الجهة التي يمكن أن تضمن قبول الفلسطينيين بهذه المعادلة. ورأى أن البديل الواقعي يتمثل في إيجاد آليات توقف العدوان وتغلق ذرائع استخدام السلاح، بما يسمح بإدارة الصراع دون تحويله إلى تهديد هجومي دائم.
وفي البعد الإقليمي، أشار أبو عامر إلى أن ربط مشعل التهديد الإسرائيلي بالتغول في الإقليم حمل رسالة واضحة للدول العربية، مفادها أن القبول بالمعادلة الإسرائيلية في غزة قد يشكل مقدمة لفرضها على المنطقة بأكملها. واعتبر أن توحيد الموقف العربي والإسلامي يمكن أن يشكل عامل ضغط على الإدارة الأمريكية لكبح الاحتلال ووقف عدوانه.
من جهته، قال الباحث والمحلل السياسي سليمان بشارات إن خطاب مشعل لا يندرج في إطار موقف ظرفي مرتبط بحرب غزة، بل يمثل إعادة ضبط شاملة لإطار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. وأوضح أن الركيزة الأساسية في الخطاب تتمثل في إعادة تعريف الصراع بوصفه صراعًا مع منظومة استعمارية استيطانية ممتدة منذ عام 1948، وليس مواجهة عسكرية طارئة أو أزمة إنسانية محصورة في غزة.
وأشار بشارات في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن الاحتلال عمل خلال السنوات الماضية على تفكيك السياق التاريخي للصراع عبر حصره في جولات حرب متكررة على غزة، بما يسمح له بتقديم نفسه كطرف يواجه تهديدًا أمنيًا، لا كقوة احتلال تمارس مصادرة الأرض والاستيطان والقمع. واعتبر أن هذا الاختزال يخدم السردية الإسرائيلية دوليًا لأنه يفصل بين غزة والضفة، ويعزل الانتهاكات اليومية في القدس والضفة عن المشهد العام.
وأضاف أن خطاب مشعل أعاد ربط غزة بالضفة وبكامل الجغرافيا الفلسطينية، مؤكدًا أن القضية لا تبدأ بعد الحرب الأخيرة ولا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تتعلق ببنية احتلالية قائمة على نفي الحقوق الفلسطينية السياسية والتاريخية. ورأى أن هذه المقاربة تعيد الاعتبار للقانون الدولي الذي ينظر إلى إسرائيل كقوة احتلال متكاملة، لا كدولة تدافع عن نفسها.
ولفت بشارات إلى أن اختزال الصراع في غزة يمنح الاحتلال فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بعد الحرب عبر فرض حلول جزئية تتجاهل جوهر القضية، وتكرس وقائع جديدة في الضفة من توسع استيطاني وتهجير متدرج. وأكد أن إعادة السياق الاستعماري للصراع تسحب من الاحتلال الذرائع التي يستخدمها لتبرير سياساته، وتعيد المسؤولية القانونية والسياسية إلى إطارها الصحيح.
وكان خالد مشعل قد أكد أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مفصلية تتطلب إعادة بناء الرؤية الوطنية، مشددًا على أن المقاومة ستبقى ثابتًا مركزيًا طالما استمر الاحتلال، وأن إسرائيل باتت مصدر تهديد إقليمي ودولي. وجاءت تصريحاته خلال كلمته في المنتدى الذي عقد تحت عنوان “القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية”.
وقال مشعل إن اعتراف 159 دولة بالدولة الفلسطينية خطوة إيجابية لكنها غير كافية، معتبرًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاعتراف إلى واقع سياسي على الأرض، وهو ما يتطلب جهدًا فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا ودوليًا.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY