في مشهد سياسي فلسطيني تحكمه حسابات دقيقة ومواقف متشابكة، تتصدر انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني واجهة الأحداث، لا بوصفها استحقاقًا ديمقراطيًا مرتقبًا فحسب، وإنما باعتبارها ملفًا سياسيًا بالغ الحساسية قد يترتب على نتائجه إعادة رسم موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية.
وبينما يترقب الشارع الفلسطيني موعدًا للاقتراع من شأنه إعادة ترتيب البيت الداخلي وتجديد الشرعية السياسية، تشير تقديرات مسؤولين كبار في حركة فتح، نقلًا عن مصادر إسرائيلية، إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن يتمثل في تفضيل الرئيس محمود عباس (أبو مازن) خيار تأجيل الانتخابات، مدفوعًا بجملة من الاعتبارات السياسية واللوجستية التي تلتقي عند هاجس أساسي: الخشية من أن تنتج الانتخابات واقعًا سياسيًا جديدًا يصعب التحكم في مساراته ونتائجه.
حسين الشيخ في قلب حملة التأجيل
ووفق هذه المعطيات، لا يبدو أن خيار التأجيل، في حال اعتماده، سيكون مجرد استجابة لضغوط خارجية أو نتيجة للظروف الميدانية، إذ يبرز حسين الشيخ، نائب رئيس السلطة الفلسطينية، باعتباره أحد أبرز الداعمين لهذا الخيار. وتشير التقديرات إلى أن الشيخ يعمل على إقناع الرئيس عباس باتخاذ قرار صريح بتأجيل الانتخابات، من خلال تقديم مبررات سياسية وفنية تجعل التأجيل يبدو خيارًا تفرضه الظروف، وليس تراجعًا عن استحقاق ديمقراطي سبق التعهد بإجرائه.
وفي هذا السياق، يجري التركيز على البعد التقني للعملية الانتخابية، ولا سيما قدرة لجنة الانتخابات المركزية على تنظيم الاقتراع في أكثر المناطق تعقيدًا، وهي قطاع غزة والقدس الشرقية. ومن شأن اعتماد هذه المبررات رسميًا أن يمنح قرار التأجيل طابع “الضرورة الفنية”، بدل أن يظهر باعتباره قرارًا سياسيًا هدفه تفادي نتائج انتخابية غير مضمونة.
لماذا التأجيل رغم أهمية الانتخابات؟
اللافت في هذه التقديرات أن الدافع وراء التأجيل لا يرتبط، وفق المسؤولين في حركة فتح، بعدم الإيمان بأهمية الانتخابات أو بجدوى تجديد المؤسسات، بل بالخوف من نتائجها المحتملة. فالانتخابات التشريعية قد لا تقتصر على اختيار أعضاء جدد للمجلس التشريعي، وإنما يمكن أن تتحول إلى استفتاء شعبي واسع على أداء السلطة وسياساتها، وإلى محطة لإعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني.
ومن هذه الزاوية، تكمن حساسية الاستحقاق في قدرته على إنتاج واقع سياسي جديد قد لا يتوافق بالضرورة مع حسابات القيادة الحالية في رام الله. كما أن نتائج غير متوقعة قد تعيد توزيع النفوذ بين القوى الفلسطينية، وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة يصعب احتواؤها في ظل الانقسام الداخلي والضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.
وبالتالي، يبدو أن الخيار المطروح أمام القيادة الفلسطينية يتراوح بين المخاطرة بإجراء انتخابات قد تغير قواعد اللعبة، أو الإبقاء على الوضع القائم وإدارة الأزمات القائمة إلى حين تهيئة ظروف أكثر ملاءمة للاقتراع.
غزة والقدس.. عقدتا الانتخابات
تأتي القدس الشرقية في مقدمة العقبات التي تواجه أي انتخابات فلسطينية، في ظل رفض “إسرائيل” إجراء عملية اقتراع فلسطينية فيها، وهو ما يضع القيادة الفلسطينية أمام معادلة شديدة التعقيد: إما إجراء انتخابات منقوصة جغرافيًا بما قد ينعكس على شرعية التمثيل، أو تعليق العملية الانتخابية برمتها إلى حين التوصل إلى صيغة تضمن مشاركة القدس.
ورغم أن هذه المعضلة ليست جديدة، فإن الظروف السياسية الراهنة تبدو أكثر تعقيدًا، في ظل غياب ضمانات إسرائيلية أو دولية واضحة تسمح بتجاوز العقبة المتعلقة بالمدينة المقدسة.
أما قطاع غزة، فيمثل تحديًا من نوع آخر، يجمع بين البعد السياسي واللوجستي والأمني. فاستمرار الانقسام بين حركتي فتح وحماس يضع العملية الانتخابية أمام أسئلة تتعلق بالإدارة والتنظيم والرقابة، فيما تضيف الأوضاع الإنسانية والأمنية المتدهورة تحديات كبيرة أمام قدرة لجنة الانتخابات المركزية على الوصول إلى مراكز الاقتراع وتنظيم عملية انتخابية واسعة في القطاع.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل تمثل هذه العقبات أسبابًا موضوعية تجعل إجراء الانتخابات في الوقت الراهن أمرًا بالغ الصعوبة، أم أنها تتحول إلى مبررات سياسية لتأجيل استحقاق قد تكون نتائجه غير مضمونة؟
التأجيل.. بين تجنب الفوضى وإضعاف الشرعية
في حال قرر الرئيس عباس تأجيل الانتخابات رسميًا، فإن القرار سيكون مرشحًا لإثارة جدل سياسي واسع. فمن جهة، سيمنح خصوم السلطة، وفي مقدمتهم حركة “حماس”، ورقة إضافية للطعن في شرعية المؤسسات القائمة واتهام القيادة الفلسطينية بالتهرب من الاستحقاق الديمقراطي.
كما أن تكرار التأجيل من شأنه تعميق حالة الإحباط الشعبي، وإضعاف الثقة بالعملية السياسية والمؤسسات الفلسطينية، فضلًا عن زيادة الفجوة بين الشارع والقيادة السياسية. وقد يمتد أثر ذلك إلى مكانة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في الخطاب السياسي الداخلي، خصوصًا في ظل غياب مسار واضح لإعادة بناء الشراكة الوطنية.
في المقابل، يرى مؤيدو تأجيل الانتخابات أن إجراءها في ظل غياب القدرة على ضمان مشاركة كاملة في غزة والقدس قد يؤدي إلى إنتاج مجلس تشريعي منقوص أو مشلول، فضلًا عن احتمال الطعن في شرعيته ونتائجه. ووفق هذا المنطق، فإن تأجيل الاستحقاق قد يكون أقل كلفة من خوض انتخابات في ظروف غير مهيأة، يمكن أن تؤدي إلى تعميق الانقسام بدل معالجته.
انتخابات مؤجلة أم أزمة مؤجلة؟
يبدو أن الملف الانتخابي الفلسطيني يقف مجددًا أمام احتمال العودة إلى نفق الانتظار، حيث تتقاطع الحسابات السياسية للقيادة الفلسطينية مع تعقيدات ميدانية تتجاوز قدرتها المباشرة على التحكم، خصوصًا في قطاع غزة والقدس الشرقية.
وفي غياب ضغط دولي جاد لضمان إجراء الانتخابات في القدس، واستمرار حالة الانسداد في ملف المصالحة بين فتح وحماس، تبدو فرص إجراء الاقتراع في المدى القريب محدودة، فيما يتقدم خيار التأجيل باعتباره السيناريو الأكثر واقعية في الحسابات السياسية الراهنة.
لكن المشكلة أن التأجيل، وإن نجح في تجنب استحقاق صعب في المدى القصير، لا يلغي الحاجة إلى تجديد الشرعية السياسية وإعادة بناء الشراكة الفلسطينية. بل إن تكرار التأجيل قد يؤدي إلى تراكم أزمة الشرعية بدل حلها، ويجعل الاستحقاق الانتخابي أكثر تعقيدًا في المستقبل.
وهكذا، تبقى الانتخابات الفلسطينية رهينة معادلة شديدة الصعوبة: فهي مطلوبة لتجديد المؤسسات وتغيير الواقع السياسي، لكنها مؤجلة خشية أن ينتج عنها تغيير أكبر من قدرة الأطراف الفلسطينية على احتوائه.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY