Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

تحويل “كتسرين” إلى مدينة مركزية.. قراءة في مسار “الضم الزاحف” للجولان وتداعياته

تتسارع المؤشرات على توجه إسرائيلي لتكريس واقع جديد في الجولان السوري المحتل، مع الدفع نحو تحويل مستوطنة “كتسرين” إلى مدينة مركزية، في خطوة يراها باحثون جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في المنطقة، بما يعزز مسار الضم الفعلي ويحد من فرص أي تسوية مستقبلية تعيد السيادة السورية.

في هذا السياق، قال الباحث الفلسطيني في مركز “يبوس” للدراسات الاستراتيجية سليمان بشارات إن “النظرية التي يعتمدها الاحتلال تقوم على أن الاستيطان هو الذي يجلب الأمن”، مشيراً إلى أن هذه الفكرة تشكل أحد أعمدة العقلية الإسرائيلية، التي تسعى إلى زرع المستوطنات في مختلف المناطق التي تسيطر عليها.

وأوضح بشارات في حديث مع “قدس برس” أن هذا التوجه يرتبط أيضاً ببعد أيديولوجي وديني لدى التيارات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، يقوم على مفهوم “إسرائيل الكبرى”، ما يدفع نحو توسيع الوجود الديمغرافي والجغرافي على حساب المحيط الإقليمي، مضيفاً أن “المنظور الإسرائيلي تجاه الجولان يتقاطع مع ما يجري في جنوب لبنان وقطاع غزة، في إطار تهيئة بيئة مناسبة لإقامة مشاريع استيطانية”.

ولفت إلى أن تحويل المستوطنات إلى مدن مركزية يشكل أداة رئيسية في هذا المسار، عبر رفع مستوى الخدمات والبنية التحتية وتخصيص موازنات كبيرة، ما يحول هذه المناطق إلى مراكز جذب سكاني، على غرار ما جرى في الضفة الغربية، حيث بدأت البؤر الاستيطانية كنقاط صغيرة قبل أن تتحول إلى تجمعات حضرية كبيرة.

وأشار بشارات إلى أن إسرائيل تتعامل حالياً مع البعد الجغرافي والديمغرافي باعتباره جزءاً من إعادة رسم خريطة وجودها في ظل تعدد الجبهات المفتوحة، مؤكداً أن هذا التوجه يترافق مع خطوات ميدانية، مثل إعادة تنشيط الاستيطان في مناطق مختلفة، والترويج لإمكانية التوسع في مناطق أخرى، بما فيها الجولان.

وفي ما يتعلق بالانعكاسات، قال إن “إسرائيل تنظر إلى الجولان على أنه جزء من دولتها”، معتبراً أن الاعتراف الأميركي بسيادتها على الجولان شكّل تمهيداً لهذه المرحلة، ومشيراً إلى أن تل أبيب تستفيد من التحولات الإقليمية والانشغال الدولي لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وأضاف أن هذا المسار قد يقود إلى تثبيت حدود أمنية جديدة، من خلال ما تسميه إسرائيل “الخطوط الصفراء” في أكثر من ساحة، بما في ذلك إمكانية تحويل الجولان إلى عمق دفاعي مستقبلي.

وحذر بشارات من أن توسيع الاستيطان يعني بالضرورة خلق حالة دائمة من عدم الاستقرار، إذ تتحول هذه المناطق إلى نقاط توتر مفتوحة، تُستخدم لتبرير التدخلات العسكرية والأمنية، فضلاً عن كونها أدوات ضغط على السياسات السورية.

ورأى أن فعالية الأدوات القانونية والدبلوماسية باتت محدودة في ظل اختلال موازين القوى الدولية، مؤكداً أن أي تحرك سوري يتطلب امتلاك أوراق ضغط حقيقية، سواء عبر الحضور الإقليمي أو من خلال توظيف العلاقات الدولية.

من جهته، قال الباحث السوري في مركز حرمون للدراسات طلال مصطفى إن تحويل “كتسرين” إلى مدينة مركزية يمكن قراءته ضمن مفهوم “الضم الزاحف”، الذي يقوم على الانتقال من السيطرة العسكرية إلى الاستيطان المدني الدائم، وخلق وقائع ديمغرافية يصعب التراجع عنها.

وأوضح أن هذه السياسة تعيد تعريف الجولان باعتباره “فضاءً إسرائيلياً داخلياً”، ما يقلص عملياً فرص استعادته مستقبلاً، حتى مع بقاء وضعه القانوني كأرض محتلة.

وأشار مصطفى في حديثه لقدس برس إلى أن هذه الخطوة تعكس نمطاً متكرراً في الاستيطان الإسرائيلي، شبيهاً بما جرى في الضفة الغربية، من حيث الاستثمار في البنية التحتية وتحويل المستوطنات إلى مراكز حضرية متكاملة توفر فرص عمل وخدمات، ما يعزز جاذبيتها للسكان.

وبيّن أن الفارق يكمن في أن الجولان أقل كثافة سكانية، ما يجعل مشروع “المدينة المركزية” أداة لتسريع التغيير الديمغرافي، في حين يحمل الجولان أيضاً بعداً أمنياً وجيوسياسياً باعتباره منطقة مرتفعات استراتيجية.

وعن التداعيات، توقع مصطفى أن يؤدي هذا التحول، على المدى المتوسط، إلى تعزيز الاستقرار الاستيطاني وتراجع احتمالات الانسحاب في أي مفاوضات، فيما قد يفضي على المدى البعيد إلى ترسيخ ضم فعلي للجولان، على غرار نموذج “الكتل الاستيطانية” في الضفة الغربية.

وأضاف أن محدودية الردود الدولية تتيح لإسرائيل توسيع الاستيطان دون كلفة سياسية كبيرة، ما يفتح الباب أمام اختبار فعالية النظام الدولي في التعامل مع هذه السياسات.

وفي ما يتعلق بالخيارات السورية، أشار مصطفى إلى وجود أدوات قانونية ودبلوماسية، تشمل تفعيل المسار الدولي عبر مجلس الأمن والجمعية العامة، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية، إضافة إلى بناء تحالفات إقليمية ودولية، وربط ملف الجولان بالتسويات الأوسع في المنطقة.

وختم بالقول إن “المعركة في الجولان ليست عسكرية فقط، بل هي معركة على الزمن والواقع الميداني”، مؤكداً أن نجاح أي مواجهة يتطلب استراتيجية طويلة النفس تعيد تفعيل الأدوات السياسية والقانونية في مواجهة مسار الضم المتدرج.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY