لم تعد اعتداءات المستوطنين المتصاعدة في الضفة الغربية تقتصر على أعمال عنف متفرقة، بل تندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك الريف الفلسطيني وتهجير سكانه تدريجياً، عبر استهداف الأرض ومقومات الصمود فيها.
وأكد مختصون، في حديث مع “قدس برس” أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، من مصادرة المحاصيل الزراعية، وتقطيع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي، والاعتداء على الثروة الحيوانية، تصب جميعها في هدف واحد يتمثل في “سلخ المواطن الفلسطيني عن أرضه”، معتبرين أن هذه السياسة تمثل امتداداً لما وصفه بالممارسات التي رافقت تهجير الفلسطينيين عام 1948.
يقول الكاتب الفلسطيني ثائر أبو عياش إن الصراع في الضفة الغربية يتمحور اليوم حول الأرض والتجذر فيها، وهو ما يفسر، بحسب قوله، التركيز المتزايد على استهداف التجمعات الريفية والمزارعين والرعاة، بالتوازي مع التوسع المستمر في إقامة البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تجري، بحماية من جيش الاحتلال الإسرائيلي ودعم من الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي يسهم في تسريع عملية تفريغ الريف الفلسطيني وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية.
ورأى أبو عياش أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها بلدة “تل” جنوب غرب نابلس تمثل “محطة مفصلية”، معتبراً أنها كشفت تحولاً في طبيعة المواجهة مع المستوطنين، وأظهرت تراجع حاجز الخوف لدى الفلسطينيين، وهو ما أقر به، بحسب قوله، عدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية.
وحذر من أن اعتداءات المستوطنين مرشحة للتصاعد خلال المرحلة المقبلة، في ظل وجود ما وصفها بخطة ممنهجة تستهدف تقسيم الضفة الغربية، وإضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية، وصولاً إلى تهجير السكان بصورة تدريجية وصامتة.
وأكد أن حماية الأرض والزراعة والثروة الحيوانية تمثل ركائز أساسية لصمود الفلسطينيين، مشدداً على أن استهدافها يهدف إلى تقويض قدرة المواطنين على البقاء في أراضيهم وفرض وقائع جديدة على الأرض.
أما الناشط في مناهضة الاستيطان خالد منصور، فأكد أن الإجراءات الّتي تقوم بها إسرائيل في الضفّة الغربية تنفيذاً لقراراتٍ حكوميّةٍ رسميةٍ وحي بأنّها تتجّه نحو استراتيجية حسم الصراع بديلاً لاستراتيجية إدارة الصراع، الّتي ثمّة تقديراتٌ بأنّها تبنّتها على مدار عقود، ولا سيّما منذ عام 2000.
وتابع “هناك من يؤكّد أن هذا التحوّل لم يعد مجرد تطلّع أيديولوجي لتيار اليمين المتطرف، الّذي يمسك بتلابيب الحكومة الحالية، بل يُترجم إلى خطة عمل حكومية، وإلى تدابير هيكلية يجري تنفيذها على الأرض”، لافتا إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تحوّلاً لم يسبق له مثيل في آليات التعامل مع أراضي الضفّة الغربية، تمثّل في تفعيل إجراءات تسجيل ملكية مساحات واسعة من أراضي مناطق (ج) على اعتبارها “أراضي دولة”، وذلك لأوّل مرّة منذ احتلالها عام 1967.
وتابع “تُظهر قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بإنشاء بؤر استيطانية جديدة، أو توسعة مستوطنات قائمة وجود رغبة واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية في تقطيع أوصال الضفّة الغربية بالكامل، بغية إحباط ما يعرف باسم “حلّ الدولتين”.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أيضاً، أن تقارير جميع منظّمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، وتقارير حركة “السلام الآن”، سبق لها أن أشارت إلى أنه بعد عام من الحرب في قطاع غزّة وما يقارب العامين من تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية (التي تشكلت في أواخر عام 2022)، بات واضحاً أن سياسة حكومة إسرائيل في الضفّة الغربية هي تقليص المساحة الفلسطينية في مناطق (ج)، ودفع المجتمعات الفلسطينية إلى مناطق (أ) و (ب)، إلى جانب اتّخاذ خطوات ضمّ بعيدة المدى.
وتُطَبَّق هذه السياسة من خلال إقامة عدد قياسي من البؤر الاستيطانية غير القانونية، وزيادة كبيرة في كمية عنف المستوطنين وشدته، الّذي يحظى بحماية الجيش، والّتي وصفها حتّى رئيس جهاز الأمن العام- “الشاباك”- بأنها إرهاب، وإغلاق الطرق والشوارع، واتّخاذ خطوات غير مسبوقة لتبييض البؤر الاستيطانية غير القانونية وتمويلها.
ومنذ تشكيل حكومة الاحتلال الحالية، تكمل “إسرائيل” بناء البنية التحتية الإدارية للضمّ الفعلي للضفّة الغربية، مع سحب الصلاحيات من الإدارة المدنية وتحويلها إلى هيئة مدنية سياسية تخضع للوزير بتسلئيل سموتريتش، الّذي يشغل منصب وزير المال، ومنصب وزير ثان في وزارة الأمن.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY