Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

محللون: مشروع الاحتلال في الضفة سابق لـ7 أكتوبر ويتجه نحو الضم

لم تبدأ التحولات التي شهدتها الضفة الغربية مع السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وإن كانت تلك المحطة قد دفعت بها إلى مستويات جديدة، وأعادت تشكيل جوانب من المشهدين الميداني والسياسي.

فعلى مدى سنوات، عاشت الضفة على وقع الاقتحامات والاعتقالات والاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، بالتوازي مع تصاعد حضور المقاومة واتساع دائرة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

وبعد ثلاث سنوات على “طوفان الأقصى”، تبدو الضفة الغربية أمام مشهد أكثر تعقيدًا، تداخلت فيه المسارات القديمة مع إجراءات جديدة طالت الأرض والسكان وحرية الحركة والبنية الأمنية، فيما أفرزت سنوات المواجهة واقعًا ميدانيًا وسياسيًا انعكس على أنماط المقاومة، وحجم الاعتقالات، والتوسع الاستيطاني، والتهجير، وطبيعة العلاقة بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية والمجتمع المحلي.

ويرى محللان سياسيان، في حديثين منفصلين لـ”قدس برس”، أن تحميل السابع من أكتوبر وحده مسؤولية ما تشهده الضفة لا يستقيم مع الوقائع الميدانية والتاريخ السياسي للصراع، إذ إن كثيرًا من السياسات والإجراءات الإسرائيلية كانت قائمة قبل ذلك التاريخ، فيما أسهمت تداعيات الحرب في توفير ظروف سياسية وأمنية سمحت بتسريع بعضها وتوسيع نطاقها.

مسار استراتيجي سابق

ويرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن النظر إلى ما يجري في الضفة الغربية باعتباره مجرد نتاج لما حدث بعد السابع من أكتوبر يمثل قراءة سطحية للمشهد، بالنظر إلى طبيعة المشروع الإسرائيلي وجذوره وأهدافه الاستراتيجية في الأراضي الفلسطينية.

ويوضح بشارات لـ”قدس برس” أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي يقوم، في جوهره، على تصور يتجاوز الاستعمار التقليدي إلى الإحلال، باعتبار أن أحد المرتكزات الأساسية للمشروع الصهيوني تمثل في إقامة مشروع قومي يهودي على أرض فلسطين، وما يرتبط بذلك من إعادة تشكيل الأرض والسكان والجغرافيا بما يخدم هذا الهدف.

ويشير إلى أن هذا البعد الأيديولوجي والقومي لا يزال حاضرًا في بنية الدولة الإسرائيلية وممارساتها، مستشهدًا بما طرحه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا، عندما نفى الطابع الاستعماري عن إسرائيل وقارنها بالنماذج الاستعمارية التقليدية التي عرفتها بريطانيا وفرنسا.

ويعتبر بشارات أن هذا الطرح يعكس، بحسب تقديره، طبيعة التصور الإسرائيلي لذاته وللمشروع الذي أقيم على الأرض الفلسطينية.

ويلفت إلى أن إقرار “الكنيست” الإسرائيلي (برلمان الاحتلال) عام 2018 ” قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي” يمثل مؤشرًا، بحسب رأيه، على هذا التوجه، إذ كرّس القانون الطابع القومي اليهودي للدولة، بما ينسجم مع سياسات وممارسات إسرائيلية مرتبطة بترسيخ مشروع الدولة القومية اليهودية.

وبناءً على ذلك، يؤكد بشارات أن ما جرى ويجري في الضفة الغربية ليس وليد أحداث السابع من أكتوبر، ولا يمكن اختزاله في كونه مجرد رد فعل إسرائيلي عليها، موضحًا أن المشروع الإسرائيلي لا يتحرك فقط وفق منطق ردود الفعل الآنية، وإنما يستند إلى منظومة من الأسس والبنى والاستراتيجيات التي تتطور على مدى سنوات.

ويقول إن أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من تطورات وفّرت لـ”إسرائيل”، في بعض الحالات، مساحات زمنية وسياسية ومبررات إضافية يمكن توظيفها لتسريع تنفيذ بعض جوانب هذا المشروع أو الانتقال بها إلى مراحل أكثر تقدمًا، لكنها لا تمثل نقطة البداية لهذا المسار.

ويخلص بشارات إلى أن فهم التحولات التي شهدتها الضفة خلال السنوات الثلاث الماضية يتطلب وضعها في سياق أوسع من أحداث السابع من أكتوبر، والنظر إليها باعتبارها جزءًا من مسار استراتيجي طويل الأمد، استثمرت إسرائيل التطورات الأخيرة لتسريع بعض مراحله وتعزيز أدواته على الأرض.

برنامج إسرائيلي معدّ مسبقًا

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن البرنامج الإسرائيلي تجاه الضفة الغربية لم يبدأ بعد السابع من أكتوبر، وإنما كان معدًّا مسبقًا، وبدأ يتبلور بصورة أوضح منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، بمشاركة وزراء من اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

ويقول عنبتاوي في حديثه لـ”قدس برس” إن جوهر هذا البرنامج يقوم، من وجهة نظره، على فرض السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، وتهويد مناطق منها، ومحاولة دفع الفلسطينيين من المناطق المصنفة “ج” نحو تجمعات سكانية محددة، بما يؤدي إلى تكريس واقع من التجزئة الجغرافية.

ويضيف أن السابع من أكتوبر جاء في سياق فلسطيني وإقليمي كانت فيه الضفة الغربية، إلى جانب قطاع غزة، جزءًا من مشهد تصعيد مستمر، مشيرًا إلى أن من بين العوامل التي أسهمت في تفجر الأحداث ما كان يجري في الضفة من استيطان وتهويد واعتداءات ومحاولات لتغيير الوضع القائم في المقدسات، إلى جانب الحصار المستمر على قطاع غزة.

ويشير عنبتاوي إلى أن الفترة الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر شهدت، بحسب تقديره، تراجعًا نسبيًا في بعض الإجراءات الإسرائيلية تجاه الضفة، نتيجة تركيز الاحتلال على الحرب في قطاع غزة، وهو ما أدى إلى تأجيل أو إبطاء بعض المشاريع والإجراءات المتعلقة بالضفة، دون أن يعني ذلك التخلي عنها.

ويؤكد أن الفلسطينيين ظلوا خلال تلك الفترة يحذرون من أن الضفة الغربية تمثل هدفًا أساسيًا للمشروع الإسرائيلي، وأن ما جرى لم يكن سوى تأجيل لبعض خطواته بفعل انشغال الاحتلال بالحرب في قطاع غزة، قبل أن تعود تلك الإجراءات بوتيرة أكبر خلال الفترة اللاحقة.

هجمة متصاعدة

ويلفت عنبتاوي إلى أن الضفة الغربية تشهد اليوم، بحسب وصفه، هجمة متصاعدة تتمثل في الاغتيالات والاقتحامات والاجتياحات والحواجز والإجراءات المرتبطة بالضم، إلى جانب اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، في ظل ما يصفه بشراكة بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي وبرعاية الحكومة الإسرائيلية اليمينية.

ويتابع أن مجمل هذه الإجراءات يكشف، برأيه، عن هدف يتجاوز الإجراءات الأمنية الآنية، ويتمثل في فرض السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتغيير طبيعة الصراع فيها، من صراع بين شعب واقع تحت الاحتلال ويسعى إلى التحرر منه، إلى صراع يجري تصويره باعتباره نزاعًا بين “اليهود والعرب” على الأرض والطرق والمناطق المختلفة.

ويشير إلى أن الاعتداءات الاستيطانية لم تعد تقتصر على القرى والمناطق البعيدة، وإنما باتت تمتد، وفق قوله، إلى أطراف المدن الفلسطينية ومناطق مصنفة “أ” و”ب” و”ج” (وفق اتفاق أوسلو)، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض وتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية، معتبرًا أن ذلك يوضح بصورة متزايدة ملامح البرنامج الذي أُعد تجاه الضفة قبل السابع من أكتوبر.

مقارنة مع مرحلة ما قبل 1948

ويرى عنبتاوي أن ما يحدث اليوم يحمل أوجه شبه، من حيث الأسلوب، مع مرحلة ما قبل عام 1948، عندما نفذت المنظمات الصهيونية المسلحة اعتداءات بحق الفلسطينيين في ظل حماية ودعم من سلطات الانتداب البريطاني، مع اختلاف الجهة التي توفر الغطاء السياسي والأمني؛ ففي حين كان ذلك يتم آنذاك في ظل الحكومة والجيش البريطانيين، يجري اليوم، بحسب وصفه، في ظل الحكومة والجيش الإسرائيليين.

ويعتبر أن الحديث الإسرائيلي عن “المقاومة” في الضفة الغربية، أو عن إجراءات السلطة الفلسطينية وسلاحها، أو عن ضرورة فرض السيطرة الأمنية، لا يمكن فصله عن هذا السياق، بل يندرج، من وجهة نظره، ضمن محاولة توفير مبررات سياسية وأمنية لتنفيذ المشروع الإسرائيلي تجاه الضفة.

ويؤكد أن المستوطنين الذين ينفذون هذه الاعتداءات ليسوا، بحسب تقديره، مجموعات عشوائية، وإنما توجد مجموعات منظمة ومسلحة ومدربة ومؤدلجة تتحرك في كثير من الحالات في ظل حماية الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل الاعتداءات الاستيطانية، وفق رؤيته، جزءًا من منظومة أوسع تتكامل فيها أدوار الحكومة والجيش والمستوطنين.

ويخلص عنبتاوي إلى أن المعركة الأساسية في المرحلة الراهنة تتجه بصورة متزايدة نحو الضفة الغربية، حيث يتعرض الفلسطينيون لضغوط في مختلف جوانب حياتهم، اقتصاديًا وأمنيًا ومائيًا، إلى جانب الاعتداءات والاستيلاء على الأراضي، بما قد يدفع، بحسب تقديره، نحو التهجير وإفراغ مناطق واسعة من سكانها الفلسطينيين.

ويقول إن ما يجري في الضفة يتقاطع، من وجهة نظره، مع سياسة التهجير التي ظهرت بصورة أكثر وضوحًا في قطاع غزة، معتبرًا أن الهدف النهائي للمشروع الإسرائيلي يتمثل في إخلاء أكبر مساحة ممكنة من الأرض من سكانها الفلسطينيين، وفرض السيطرة عليها وتوسيع المشروع الاستيطاني، بما يخدم تصورًا إسرائيليًا للضفة الغربية باعتبارها مجالًا مفتوحًا للسيطرة والاستيطان.

وأطلقت “كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.

وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.

وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حربًا واسعة على قطاع غزة، ما زالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.

ويُذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

لكن جيش الاحتلال يواصل خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY