وسط موجة النزوح التي طالت آلاف العائلات من مخيمي جنين وطولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة، والتي يقدّر عدد النازحين فيها بنحو 50 ألف فلسطيني، برزت قصص فردية تعبّر عن قدرة الناس على التكيّف والصمود رغم الخسارات. من بين هذه القصص تبرز تجربة المزارعة رشيدة بركة من مخيم طولكرم، التي رفضت أن يتحول النزوح إلى نهاية، وحوّلته إلى بداية جديدة.
رشيدة، التي فقدت ابنها قبل نزوحها، تقول لـ”قدس برس” إن الفترة التي أعقبت استشهاده كانت من أصعب مراحل حياتها، لكنها أدركت سريعاً أن مسؤوليتها تجاه أسرتها لا تزال قائمة. وتضيف: “الموت أخذ ابني، لكن الحياة تستمر. لدي ابنة في الجامعة وأخرى في الثانوية، وخمسة أبناء آخرين، ولا بد أن أواصل الطريق”.
وبخبرة زراعية تمتد لأكثر من عشر سنوات، شاركت رشيدة في اجتماعات جمعية “الإغاثة الزراعية”، وقدمت أفكارها للاستفادة من برامج دعم النازحين. وبعد دراسة طلبها، حصلت على فرصة لتحويل قطعة أرض صغيرة إلى مشروع زراعي يوفر دخلاً ثابتاً لعائلتها.
الأرض التي اختارتها، ومساحتها نصف دونم (500 متر مربع)، تعود ملكيتها لشقيقها الأسير وتقع بين بلدتي “كتابا” و”بلعا”. زرعتها بمحاصيل شتوية مثل الخس والقرنبيط والملفوف، لتصبح مصدر رزق جديد في ظل ظروف النزوح القاسية. وتقول: “الأرض ما بتسامح. لازم متابعة يومية. أي تقصير ممكن يضيع كل التعب”.
ورغم أن الموسم الزراعي ما زال في بدايته، تأمل رشيدة أن يبدأ العائد المالي مع حلول شهر آذار/مارس المقبل. لكنها تؤكد أن المشروع بالنسبة لها يتجاوز الجانب الاقتصادي، فهو يمنحها دفعة معنوية قوية ويعيد إليها الشعور بالقدرة على مواجهة الحياة.
وتشدد رشيدة على أهمية المبادرة الذاتية، خصوصاً للنساء النازحات، وتقول: “المرأة لازم تعتمد على نفسها. المساعدات مهمة، لكنها مش الحل الوحيد. كل واحدة لازم تدور على طريق تقدر تمشي فيه”.
وتعبّر عن امتنانها لجمعية “الإغاثة الزراعية” على الدعم والمتابعة، معتبرة أن هذه المبادرات تمنح النازحين فرصة حقيقية لإعادة بناء حياتهم.
وتطمح رشيدة إلى توسيع مشروعها في المستقبل، وزراعة محاصيل صيفية مثل الكوسا والملوخية والبقدونس، إضافة إلى حلمها بامتلاك أرض أكبر وربما إنشاء بيت بلاستيكي يتيح لها إنتاجاً زراعياً مستداماً.
من جهتها، أكدت جمعية التنمية الزراعية “الإغاثة الزراعية”، وهي منظمة مجتمع مدني غير ربحية، أن رشيدة كانت من بين المشاركات في مبادرة لدعم وتمكين المزارعات في طولكرم، عبر تعزيز مشاركتهن في زراعة محاصيل موسمية تشمل الخس والزهرة والملفوف الأبيض والأحمر. وذكرت الجمعية أن المبادرة هدفت إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين مصادر دخل النساء الريفيات، من خلال توفير الدعم الفني والإرشادي لضمان الالتزام بمعايير الجودة والمواصفات المطلوبة.
وأوضحت الجمعية أن رشيدة برزت في تجربتها، حيث تمكنت من إنشاء مزرعتها الخاصة تحت إشراف مهندسي الإغاثة الزراعية، ونجحت في إنتاج وتسويق محاصيلها، ما وفر لها دخلاً ثابتاً وأسّس لحياة أكثر استقراراً، وشكّل نموذجاً واضحاً لأثر التدخلات الزراعية في تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
ومن خلال مشروعها الصغير، لم تزرع رشيدة محاصيل فقط، بل زرعت رسالة صمود، تؤكد أن الإرادة قادرة على تحويل أقسى الظروف إلى فرصة للحياة.
وتواصل قوات الاحتلال عدوانها العسكري في مدينة طولكرم ومخيميها منذ أكثر من 380 يوماً، ما أدى إلى نزوح أكثر من 50 ألف فلسطيني، واستشهاد 14 آخرين، واعتقال أكثر من 830 منذ بدء الهجمات. وفي 30 كانون الثاني الماضي، وقع قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية أمراً عسكرياً بتمديد تقييد الحركة والعمليات العسكرية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس حتى 31 آذار المقبل.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY