Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

قيادات ومحللون: تأجيل الانتخابات الفلسطينية يعمّق أزمة النظام السياسي ويغيّب إرادة المواطنين

أثار قرار تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية انتقادات من قيادات سياسية ومحللين، رأوا أنه لا يعالج أزمة النظام السياسي الفلسطيني، بل يهدد بإطالة أمد الانقسام وتعميق أزمة الثقة بين المواطنين والقيادة والفصائل، في ظل استمرار الخلافات بشأن تجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.

وفيما ربطت قراءات القرار بأزمات داخلية تعانيها السلطة الفلسطينية وحركة “فتح”، اعتبر آخرون أن العوامل الخارجية، وفي مقدمتها القيود الإسرائيلية، لا تبرر تعطيل الاستحقاق الانتخابي قبل استنفاد الجهود اللازمة لإجرائه، محذرين من أن استمرار التأجيل سيبقي النظام السياسي في دائرة الأزمة.

القيق: التأجيل لا يعالج جذور الأزمة

وفي قراءة نقدية للقرار، ربط الكاتب والمحلل السياسي محمد القيق تأجيل الانتخابات بالأزمات المالية والإدارية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وحركة “فتح”، مشيرًا إلى تراكم الالتزامات المالية بمليارات الدولارات، وأزمة الرواتب والمستحقات، وتعطل التعليم، إلى جانب ما وصفه بالترهل الإداري والفساد وتراجع الأداء في الساحة الفلسطينية.

وقال القيق، في حديث لـ”قدس برس”، إن هذه الأوضاع تجعل إجراء الانتخابات محفوفًا بتحديات داخلية؛ إذ قد يجد أي طرف يفوز بها نفسه، منذ اليوم الأول، أمام مطالبات بصرف الرواتب، وإضرابات نقابية، وأزمات معيشية متراكمة، فضلًا عن الضغوط السياسية والاتهامات الإسرائيلية المحتملة.

واعتبر أن هذه الحسابات قد تدفع القوى السياسية إلى تفضيل استمرار الوضع القائم على خوض استحقاق انتخابي يضعها في مواجهة مباشرة مع الأزمات المتراكمة.

وفي الوقت نفسه، رأى القيق أن الانتخابات لا تخضع بالكامل للإرادة الفلسطينية، في ظل ما وصفه بالفيتو الأميركي والقيود الإسرائيلية، معتبرًا أن غياب السيادة الفلسطينية والتوجهات السياسية القائمة يحدّان من إمكانية بناء تمثيل وطني موحد قادر على اتخاذ قرارات مستقلة. وخلص إلى أن التأجيل، وإن بدا منطقيًا لبعض الأطراف في ضوء هذه الظروف، يظل إجراءً شكليًا ما دامت إمكانية إجراء الانتخابات نفسها خاضعة لعوامل خارجية.

وأضاف أن المحصلة العملية لهذا المسار تتمثل في استمرار سيطرة القوى القائمة، وتعزيز شعور المواطنين بأن عليهم التعايش مع الواقع الراهن، فيما تنشغل الفصائل بمحاولات معالجة الأزمات المالية والمعيشية، بدلًا من امتلاك أدوات سياسية واقتصادية قادرة على تغيير هذا الواقع.

وحذّر من أن استمرار الوضع الحالي، في ظل غياب مشروع وطني واضح لإقامة الدولة، يهدد بتحويل السلطة إلى مشروع مستنزف ومعلّق، مشيرًا إلى أن “إسرائيل”، بحسب تقديره، لم تعد ترى فيها القيمة الأمنية السابقة، في حين يفتقر الفلسطينيون إلى رؤية واضحة لتطويرها نحو دولة ذات سيادة.

وشدد القيق على أن الخروج من الحلقة المفرغة التي تتكرر فيها الدعوة إلى الانتخابات ثم تأجيلها والعودة إلى الحوار، لا يتحقق بمزيد من الحوارات وحدها، بل يتطلب قرارًا استراتيجيًا بإعادة بناء التمثيل الوطني الفلسطيني.

ودعا إلى تشكيل جسم وطني موحد، أو إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية على أسس حقيقية للشراكة، بما يضمن تمثيل الفلسطينيين أمام العالم، وتوحيد الموقف في مواجهة المخاطر، ووضع مشروع واضح لمعالجة الفساد، وترميم قطاع التعليم، وضبط السلم المجتمعي.

كما انتقد ما اعتبره تراجعًا في دور الفصائل بالضفة الغربية وتكيفًا مع واقع السلطة، داعيًا إياها إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى تغيير النهج السياسي، ومؤكدًا أن استعادة الفاعلية الوطنية تتطلب إرادة حقيقية لبناء قيادة جماعية موحدة، بدلًا من الاستمرار في مسار الانتخابات المؤجلة والحوارات المتكررة.

رباح: قرار متسرع لا يحل الأزمة

من جهته، وصف عضو اللجنة التنفيذية لـ”منظمة التحرير” الفلسطينية، وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، رمزي رباح، قرار تأجيل الانتخابات بأنه “متسرع”، مؤكدًا أن الجبهة عبّرت عن رفضها له خلال اجتماع اللجنة التنفيذية، الذي شهد نقاشًا مطولًا بشأن القرار.

وأوضح رباح أن الاجتماع تناول استحقاقين أساسيين، هما الانتخابات العامة للمجلسين الوطني والتشريعي، والحوار الوطني الشامل الذي أُعلن عنه مؤخرًا. وشدد على أن إجراء الانتخابات يمثل الطريق المتاح لإعادة بناء مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وتعزيز مشاركة مختلف القوى، وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.

وأضاف أن الانتخابات تشكل مدخلًا لتوحيد المرجعيات الفلسطينية والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض أي محاولات للفصل بينهما، فضلًا عن كونها استحقاقًا ديمقراطيًا وحقًا للمواطن الفلسطيني، ولا سيما الشباب الذين يتطلعون إلى تجديد النظام السياسي وتغيير بنيته وتركيبته.

وأكد رباح أن تأجيل الانتخابات لا يحل الأزمات القائمة، بل يطيل أمدها ويعمّق الفراغ السياسي في ظل نظام مأزوم، مشيرًا إلى أن الحوار الوطني، على أهميته وضرورته لإنهاء الانقسام والتوافق على رؤية وموقف موحدين في مواجهة العدوان الإسرائيلي والتصعيد في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا يتعارض مع إجراء الانتخابات في موعدها.

وأشار إلى أن تعطيل الاحتلال الإسرائيلي للعملية الانتخابية يمكن أن يشكل مبررًا لبحث تعديل موعدها، ولكن بعد استنفاد الجهود اللازمة لتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم الديمقراطي، وتعبئة ضغط دولي على إسرائيل لوقف العراقيل التي تحول دون إجراء الانتخابات، خصوصًا في القدس.

وشدد على أن أي تعديل محتمل للموعد ينبغي أن يتم من خلال الحوار الوطني وبإجماع واسع، وأن يكون إلى موعد قريب، لا أن يتحول إلى وسيلة لإدامة الأزمة السياسية القائمة.

غنيم: تغييب إرادة الشعب

من جانبه، اعتبر القيادي في حركة “فتح” أحمد غنيم أن قرار تأجيل الانتخابات يعكس، بحسب وصفه، غياب الشعور بالمسؤولية إزاء التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، مؤكدًا الحاجة إلى قيادة تستمد قوتها من الشعب، وتكون قادرة على استعادة وحدة النظام السياسي والأرض والمشروع الوطني.

وقال غنيم، في تصريحات صحفية، إن التهرب من تمكين الفلسطينيين من انتخاب قيادة موحدة يمثل هروبًا من المسؤولية، محمّلًا القيادة الفلسطينية والفصائل مسؤولية مشتركة عن تغييب إرادة المواطنين، بعد أكثر من عشرين عامًا لم تتمكن خلالها القوى الفلسطينية من الاتفاق على إنهاء الانقسام.

وأضاف أن التوافق على تأجيل الانتخابات يكشف، وفق تقديره، عن تقاطع مصالح القوى السياسية عندما تشعر بأن مواقعها في الحكم أو المعارضة مهددة. وتساءل عن أسباب عدم إجراء الحوارات الوطنية قبل صدور مرسوم تحديد موعد الانتخابات، وعن غياب التوافق على خطوات عملية لمواجهة الاستيطان ووقف حرب الإبادة والتصدي للتحديات التي تواجه الفلسطينيين.

وانتقد غنيم ما وصفه بإبعاد المواطنين عن تقرير مستقبلهم السياسي، قائلًا إن الشعب الفلسطيني يريد التعبير بنفسه عن خياراته، بدلًا من أن يكون طرفًا يتحمل تبعات أزمات الحكم والمعارضة دون أن يكون شريكًا في اتخاذ القرار.

ورأى أن وحدة النظام السياسي والوطن والمشروع الوطني تمثل التحدي الأبرز في المرحلة الراهنة، متسائلًا عن المبررات التي تحول دون انتخاب أعضاء المجلس التشريعي، بما يتيح للفلسطينيين تقديم ممثلين منتخبين أمام العالم، والدفاع عن حقهم في تقرير مستقبل قطاع غزة ورفض فصله عن الضفة الغربية.

واعتبر أن تعطيل الانتخابات يحرم الفلسطينيين من فرصة إيصال صوتهم السياسي إلى المجتمع الدولي، في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية حالة من التضامن الدولي.

أبو غوش: أسباب داخلية وخارجية

بدوره، قال المحلل السياسي نهاد أبو غوش إن قرار تأجيل الانتخابات كان متوقعًا في ضوء ضعف التحضيرات للعملية الانتخابية، إلى جانب تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية التي تهدد الوجود الفلسطيني.

لكنه أشار إلى أن إبلاغ فرنسا بقرار التأجيل قبل الإعلان الرسمي عنه يثير تساؤلات بشأن ترتيب الأولويات، ويعطي انطباعًا بأن الانتخابات مطلب خارجي، رغم أنها استحقاق وطني وديمقراطي بالأساس.

وأوضح أبو غوش أن أسباب التأجيل لا تقتصر على الاعتداءات الإسرائيلية، بل تشمل عوامل داخلية، من بينها فشل الجهود الرامية إلى تحقيق مصالحة داخل حركة “فتح” وخوض الانتخابات بقائمة موحدة، إلى جانب عدم التوصل إلى توافق وطني شامل بشأنها.

ولفت إلى أن التجربة الفلسطينية شهدت مرارًا تغييرات في المراسيم وتراجعًا عن قرارات سابقة، معتبرًا أن قرار تحديد موعد الانتخابات لم يكن ثمرة توافق وطني. كما أبدى تحفظات على توقيت القرار والتعديلات القانونية التي قال إنها قد تؤثر في فرص مشاركة بعض القوى السياسية الرئيسية.

ورأى أبو غوش أن السؤال الأساسي بعد التأجيل يتمثل في ما إذا كان الوضع السياسي سيبقى على حاله، بما يعني تمديد حالة الانقسام والتفرد، أم أن هذه المحطة ستُستثمر للوصول إلى صيغة توافقية تتيح إجراء الانتخابات والاستعداد لها بصورة أفضل.

وأكد أن القضية لا تتعلق بمنح السلطة مزيدًا من الوقت فحسب، بل بضرورة التوصل إلى صيغة وطنية جماعية تمكّن الفلسطينيين من تجاوز المرحلة الراهنة، وإعادة بناء مؤسساتهم على أسس توافقية وديمقراطية.

وكان قد أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، السبت، مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 أيلول/سبتمبر 2027، استناداً إلى قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعد إلغاء المرسوم رقم (4) لسنة 2026، الذي دعا إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.

ونص المرسوم على دعوة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة في انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ومباشرة، لانتخاب رئيس دولة فلسطين وأعضاء المجلس التشريعي بصورة متزامنة، وفقاً لأحكام القانون.

وبررت الرئاسة تحديد الموعد الجديد بضرورة تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وبما يتيح إطلاق حوار وطني فلسطيني شامل لتعزيز الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والنظام السياسي، ومعالجة التحديات التي تواجه العملية الانتخابية.

وأشار المرسوم إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني واقتحامات الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والقيود المفروضة على حرية الحركة والتنقل، إلى جانب استمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، بوصفها عوامل تفرض تحديات أمنية واقتصادية وإدارية أمام إجراء الانتخابات.

كما أشار إلى الظروف الأمنية والإنسانية في قطاع غزة، وعدم استكمال الترتيبات المتعلقة بنشر قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، وعدم البدء بعملية إعادة الإعمار، وعدم استكمال انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

وتناول المرسوم كذلك القيود الإسرائيلية المفروضة على وصول طواقم لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين الدوليين إلى قطاع غزة والقدس الشرقية، وما تسببه من صعوبات في استكمال التحضيرات وضمان حرية عمل الجهات المشرفة على الانتخابات ومراقبتها.

وأكد المرسوم أن تحديد الموعد الجديد يأتي في إطار الالتزام بإجراء الانتخابات باعتبارها استحقاقاً وطنياً ودستورياً، وتجسيداً لحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية وديمقراطية، وتعزيزاً لوحدة النظام السياسي الفلسطيني. كما كلف لجنة الانتخابات المركزية باتخاذ الإجراءات اللازمة للتحضير للاقتراع وتنظيمه والإشراف عليه وفقاً لقانون الانتخابات العامة النافذ.

وكان عباس قد أصدر، في 9 تموز/يوليو الماضي، مرسوماً حدد فيه 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY