رأى بعض الكتّاب والمحللين أن عمليات الاحتلال في مخيمات شمال الضفة الغربية، وإن كان ظاهرها عسكرياً وأمنياً، إلا أنها حملت أهدافاً سياسية بالدرجة الأولى، نجح الاحتلال في فرضها من خلال تغيير البنية التحتية للمخيمات، وإعادة رسمها، وتدمير مقومات الحياة فيها، وإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة المقبلة، سواء في ضوء ما يسمى بخطة الضم، أو أي حلول سياسية قد تُفرض.
حيث قال الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات إن “العملية العسكرية (الإسرائيلية) في مخيمات الضفة الغربية كانت في جوهرها ذات أهداف سياسية، وربما كانت الأهداف الأمنية والعسكرية أهدافاً فرعية وليست مركزية، والدليل على ذلك أن الاحتلال لم يتحدث كثيراً عن طبيعة الأهداف العسكرية والأمنية التي حققها أو سعى لتحقيقها في تلك المخيمات”.
ولفت بشارات، خلال حديثه لـ “قدس برس” اليوم الأحد، إلى أن “الاحتلال ركّز في تسويقه للعملية العسكرية في مخيمات شمال الضفة على سعيه إلى تغيير البنية التحتية، والطابع الديموغرافي والجغرافي للمخيمات”.
ورأى بشارات أنه من الناحية الأمنية والعسكرية لم تعد هناك أهداف فعلية تستدعي استمرار العمليات العسكرية في المخيمات، مضيفاً: “منذ الأسابيع الأولى، أدرك الاحتلال أنه لا توجد أسباب أمنية تستدعي بقائه في المخيمات، لأنه قد بسط سيطرته، وأنهى ظاهرة المجموعات المسلحة من خلال الاغتيالات والاستهدافات المتكررة”.
وأشار إلى أن الاحتلال، من خلال ممارساته تلك، يسعى إلى إعادة تشكيل المخيمات لتتحول إلى أحياء تابعة للمدن، وربط ذلك بالاستهداف الممنهج لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، ما يعطي انطباعاً واضحاً بأنه يهدف إلى تغيير هوية المخيمات ومكانتها في المفهوم والنسيج الوطني الفلسطيني”.
وأكّد أن “زيارة شخصية أمريكية لمخيم نور شمس شمالي الضفة، وطرح فكرة إعادة إدارة المخيمات من قبل السلطة الفلسطينية، يعطي انطباعاً بأن الاحتلال يريد ربط مصير ومستقبل المخيمات بمسارات سياسية قد تتبلور في المرحلة المقبلة”.
من جانبه، قال الكاتب والمحاضر السياسي فريد أبو ظهير إن “(إسرائيل) سعت من خلال عملياتها في مخيمات شمال الضفة إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو إخضاع هذه المخيمات للسيطرة، بعد أن كانت تضم جماعات مسلحة شكّلت تهديداً للاحتلال، وتحدياً أيضاً للسلطة الفلسطينية”.
ولفت أبو ظهير إلى أن “الاحتلال قرر أخذ زمام المبادرة، والقضاء على المقاومة في هذه المخيمات، حتى لو أدّى ذلك إلى تشريد السكان وهدم المنازل، خاصة بعد أن تيقّن أن السلطة لا ترغب في الدخول في صراع مباشر مع المجموعات المسلحة هناك”.
أما الهدف الثاني، بحسب أبو ظهير، فهو إنهاء قضية اللاجئين، التي تُعد أيقونة من أيقونات القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن “القضاء على هذه القضية يُعد في نظر (إسرائيل) خطوة نحو تفكيك القضية الفلسطينية، مما يسهل تنفيذ مخططاتها السياسية”.
وأضاف أن “إنهاء المخيمات، وما تمثله من ثقل وطني ونضالي، يسهّل على الاحتلال بسط سيطرته على الضفة الغربية، من حيث التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي”.
ورأى أبو ظهير أن “إنهاء ظاهرة المخيمات في الضفة الغربية سيكون نكسة كبيرة للقضية الفلسطينية، ومكسباً كبيراً للاحتلال، خاصة في ما يتعلق بسياسات (إسرائيل) الاستيطانية والاستعمارية، وصولاً إلى التحكم الكامل بالضفة عسكرياً وأمنياً”.
وتشير آخر المعطيات الرسمية الصادرة عن دائرة “شؤون اللاجئين” (تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية) إلى أن “الانتهاكات (الإسرائيلية) في مخيمات الضفة الغربية منذ بدء العدوان على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أسفرت عن استشهاد 414 فلسطينيا في مخيمات الضفة (من أصل 986 شهيداً في عموم الضفة)، و1390 جريحاً، و2540 حالة اعتقال، و1067 اقتحاماً، بالإضافة إلى تدمير 1540 مبنى، ونزوح أكثر من 52 ألف مواطن من المخيمات”.
وكانت قوات الاحتلال قد شنت عدواناً واسعاً على شمال الضفة الغربية، بدأ في مدينة جنين ومخيمها في 21 كانون الثاني/ يناير الماضي، وتوسّع لاحقاً إلى مدينة طولكرم ومخيميها (طولكرم ونور شمس)، وشمل أيضاً محافظة طوباس ومخيمها (مخيم الفارعة).
ويُعد هذا العدوان الأطول والأوسع على الضفة الغربية منذ عدوان عام 2002 إبان انتفاضة الأقصى.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY