على أطراف مدينة غزة، يترك السكان منازلهم قسرًا تحت وطأة القصف، تاركين أبواب بيوتهم مفتوحة وكأنهم سيعودون بعد ساعة. في رحلة جديدة نحو المجهول، يواجهون الموت بخيام ممزقة ولهيب الصيف الحارق، منتظرين أن تلفظهم الحرب على قارعة الوجع الصامت.
لم يعد “حي الزيتون” جنوب المدينة كما كان؛ فالحجارة مهدّمة، والشوارع تغصّ بالغبار والدم، والبيوت خاوية إلا من الصدى. آلاف السكان نزحوا، تاركين خلفهم أعمارًا وأحلامًا وذكرياتٍ لم تسعها حقائب النزوح.
تقول أم محمد ملكة: “خرجنا دون أن نلتفت خلفنا… كل ما أردته هو النجاة بعائلتي”. مضت العائلات سيرًا على الأقدام، تسبقها الرهبة، وتطارد بعيونها البيوت التي تبتعد وتختفي.
لا مكان يتسع لهؤلاء. مدارس الإيواء، والمشافي، والساحات العامة، وحتى أرصفة الشوارع، تحوّلت إلى ملاذات مؤقتة. ازدحام، نقص مياه، قلة طعام، ورعاية صحية شبه معدومة. حروب متعددة يواجهها نازحو حي الزيتون بصمت مرير وخذلان عربي لا نظير له.
تروي أم محمد: “لم نكن نرغب في مغادرة منزلنا، وقررنا أن نبقى مهما اشتد القصف، حتى سقطت قذيفة مباشرة وسط البيت، ونجونا من الموت بأعجوبة”. وتتابع في حديثها لـ”قدس برس”: “اشتعلت النيران في أجزاء من المنزل بفعل قذائف المدفعية التي لم تتوقف تلك الليلة، وكانت العائلة كلها لا تزال في الداخل”.
وتشير إلى أن الوقت لم يسعفهم للتفكير، فكان همّ الجميع النجاة، خاصة الأطفال الذين لم يحتملوا المشهد وأخذوا بالبكاء. ومع تصاعد الدخان، خرجت العائلة مسرعة، تلفظ أنفاسها بصعوبة، وكأنها تنتزع الحياة من فم الموت.
وتضيف: “لم نتمكن من أخذ سوى الوثائق الشخصية وبعض الملابس التي جهزناها مسبقًا تحسبًا لأي طارئ، تاركين خلفنا كل شيء. كانت الشوارع المحيطة مليئة بالأنقاض والدمار، فيما كانت أصوات الطائرات الحربية لا تزال تحلق في السماء”.
لم يكن النزوح من حي الزيتون خيارًا، فالعائلات لا تملك رفاهية الاختيار. ها هم الآن يكتنفهم الشارع بلا مأوى، يتنقلون بين الأرصفة والأماكن المهجورة، يبحثون عن زاوية تقيهم شمس آب، ولا يعرفون إلى أين سيتجهون في الأيام القادمة، خاصة في ظل غياب أي خطط عاجلة لإيواء النازحين.
ولم تقتصر لحظات الموت على عائلة ملكة، فـ”شارع النديم” غرب الحي كان مكتظًا بالعائلات التي قضت ليلتها مستيقظة، تتوه في عدد الغارات والقذائف التي طالت منازل المواطنين. كانوا يجمعون أغراضهم في انتظار بزوغ الشمس، علّهم يجدون طريقًا للخروج من تحت الموت والدمار.
تقول نداء العكة: “عندما خرجنا من المنزل، كان الطريق محفوفًا بالمخاطر؛ الأنقاض وقطع الركام أعاقت حركتنا، فيما كانت القذائف تسقط على مقربة منا”. وتضيف: “وصلنا بعد ساعات طويلة من المشي إلى منطقة تزدحم بالنازحين من حي تل الهوا، حيث نصبت بعض العائلات خيامًا مؤقتة باستخدام أغطية بالية وخشب مكسور. انضممنا إليهم، لكن الاكتظاظ كان شديدًا، والمرافق الصحية شبه معدومة، مما جعل الوضع الصحي للأطفال غير مقبول”.
وتتابع في حديثها لـ”قدس برس”: “واجهنا تحديات عديدة؛ نقص المياه الصالحة للشرب، غياب الغذاء الكافي، وانعدام الرعاية الطبية. وبعد ثلاثة أيام من النزوح، بدأ الأطفال يعانون من الحمى والإرهاق، وأخشى عليهم من الأمراض المعدية المنتشرة بين النازحين”.
المشهد في حي الزيتون ليس وليد اللحظة، بل هو صورة مصغّرة من الكارثة الإنسانية التي تضرب قطاع غزة بأكمله منذ أكثر من عامين. القصف المستمر، والنزوح القسري، وفقدان المأوى والمقومات الأساسية للحياة، كلها جرائم ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي ضمن حرب إبادة ممنهجة ضد السكان المدنيين.
وتشن قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي مطلق حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت حتى الآن – وفق وزارة الصحة- إلى إلى 61 ألفا و827 شهيدًا و 155 ألفا و 275 إصابة، وأكثر من 10 آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة العشرات، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف نزوح قسري وسط دمار شامل.
ومن الشهداء 10 آلاف و300 شهيدًا و 43 ألفا و234 إصابة استهدفوا بعد تنصل الاحتلال من اتفاق وقف إطلاق النار في 18 آذار/مارس 2025.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY