في الذكرى الثانية لاستشهاده، يعود يحيى السنوار إلى واجهة النقاش الإعلامي بوصفه شخصية ارتبطت بأحد أكبر الإخفاقات الاستخبارية الإسرائيلية، وبصورة تجاوزت حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتصبح حاضرة في خطاب قطاعات من الحركة التضامنية العالمية مع فلسطين.
لم تنتهِ قصة يحيى السنوار باستشهاده في قطاع غزة، بل استمرت في مسارين متوازيين: الأول داخل الإعلام العبري والغربي، حيث برزت تساؤلات بشأن قدرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية على تعقبه وفهم تحركاته طوال سنوات، والثاني في الفضاء العام العالمي، حيث تحولت صورته إلى رمز متداول في الاحتجاجات والفعاليات المؤيدة للفلسطينيين، وسط انقسام حاد في تقييم إرثه السياسي والعسكري.
وفي الذكرى الثانية لاستشهاده، لا تبدو المسألة مرتبطة باستعادة سيرة قائد فلسطيني فحسب، بل بكيفية تحوّل شخصية كانت على رأس قائمة المطلوبين إسرائيلياً إلى موضوع دائم للنقاش حول حدود القوة الاستخبارية، وقدرة الحروب على إنتاج رموز تتجاوز ساحاتها الأصلية.
ولم تعد قراءة السنوار مقتصرة على سيرته داخل حركة “حماس”، بل باتت تتصل بسؤال أوسع: كيف أخفقت منظومة أمنية تمتلك قدرات تقنية واستخبارية متقدمة في تقدير حجم التهديد الذي واجهته؟ وكيف تحولت صورته، بعد استشهاده، إلى رمز تتنازع الأطراف المختلفة على تفسيره وتوظيفه؟
وأعاد السابع من أكتوبر فتح ملف الإخفاق الأمني الإسرائيلي على مستويات متعددة، من تقدير قدرات حماس إلى قراءة المؤشرات والتحذيرات السابقة للهجوم، وصولاً إلى آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية والسياسية.
وفي مراجعات إسرائيلية للأحداث، برزت انتقادات تتعلق بما وُصف بالفشل المفاهيمي والاستخباري؛ أي الاعتماد على تصورات مسبقة عن قدرات حماس ونواياها، بدلاً من التعامل مع المؤشرات المتاحة باعتبارها إشارات تستوجب إعادة تقييم تلك التصورات.
وتكتسب شخصية السنوار أهميتها في هذا السياق من موقعه القيادي، ومن السرية التي أحاطت بتحركاته خلال الحرب، ومن الصعوبة التي واجهتها إسرائيل في الوصول إليه رغم توظيفها قدرات عسكرية واستخبارية واسعة.
المحلل السياسي ياسر مناع أكد أن القراءة الإسرائيلية لما جرى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تقول إن يحيى السنوار وقيادة “حماس” نجحوا في تنفيذ خطة خداع استراتيجي استثمرت نقاط الضعف في منظومة التقدير الأمني والاستخباري الإسرائيلي.
وقال مناع إن الصحف الاسرائيلية وفي الذكرى الثانية لاستشهاد السنوار أقرت بهذا الاخفاق، وتناولت نتائج تحقيقات الجيش الإسرائيلي، وأكدت أن حماس نفذت عملية خداع ناجحة، وأن الاستخبارات العسكرية أخفقت في إدراك التحول الذي طرأ على تفكير الحركة بعد صعود السنوار إلى قيادتها في غزة.
وأضاف لـ”قدس برس” أن السنوار لم يحتج إلى إخفاء جميع استعداداته عن إسرائيل، وإنما استفاد من اقتناع المؤسسة الأمنية بأن حماس مردوعة، وأن مصالحها الاقتصادية ورغبتها في الحفاظ على حكم غزة تمنعانها من المبادرة إلى مواجهة واسعة، مشيرا الى أن سلوك الحركة عزز هذا الاعتقاد، بينما كانت تستكمل استعداداتها العسكرية.
وشدد على أنه من الضروري التمييز بين الانطباع الذي سيطر على صناع القرار وبين التحذيرات التي قدمتها بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية قبل الهجوم، والتي ناقشت سيناريوهات اقتحام جماعي للحدود والسيطرة على تجمعات إسرائيلية، مما يعني أن هذا الإخفاق لم يكن نتيجة غياب تصور للتهديد، وإنما نتيجة عجز المؤسسة الأمنية عن التعامل مع المعلومات التي امتلكتها وتعديل تقديراتها على أساسها.
وأردف أن التأثير الأعمق للهجوم، فيتعلق بالصورة التي بنتها إسرائيل عن قدرتها على معرفة نوايا خصومها ومنعهم من تحقيق مفاجآت استراتيجية، بحيث استثمرت إسرائيل لعقود في تطوير منظومات المراقبة والاستخبارات والتحصينات الحدودية، وقدمت تفوقها التكنولوجي باعتباره أحد أهم عناصر قوتها الأمنية.
واعتبر مناع أن السابع من أكتوبر كشف أن هذا التفوق لا يضمن حماية الحدود عندما تستند القرارات إلى تقديرات خاطئة.
وشدد على أن التجربة أثبتت أن التفوق في جمع المعلومات لا يساوي بالضرورة التفوق في فهمها، وأن المؤسسة التي تعجز عن مراجعة افتراضاتها تستطيع تجاهل تهديد واضح حتى عندما تصلها تفاصيله. ومع ذلك، فإن نجاح المفاجأة العسكرية لا يكفي وحده للحكم على نتائج الحرب الأوسع أو على توازن القدرات العسكرية بين الطرفين.
وفي ما يتعلق بشخصية السنوار، يرى أن المفاجأة التي حققتها حماس، ثم المشاهد التي نشرها الجيش الإسرائيلي للحظاته الأخيرة، في تشكيل صورة رمزية له لدى قطاعات من الفلسطينيين والمتضامنين مع قضيتهم، وتكتسب هذه الصورة أهميتها من الجمع بين حدثين مختلفين، أولهما ارتباط اسمه بعملية كشفت إخفاقاً استخبارياً وعسكرياً إسرائيلياً واسعاً، وثانيهما ظهوره جريحاً في مواجهة مسيّرة إسرائيلية خلال اللحظات الأخيرة من حياته. وقد منح هذا المشهد مؤيديه مادة بصرية عززت روايتهم عنه باعتباره قائداً بقي في ميدان القتال حتى استشهاده.
في ذات السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر، أن الاحتلال كان منذ اللحظة الاولى للحرب وقبل الحرب منذ جولات التصعيد في القدس وغيرها، يحاول ان يصل الى السنوار بشتى الطرق والوسائل الاستخبارية ولكنه فشل في ذلك الى أن استشهد مشتبكا على أرض رفح وهي الصورة التي لم يرغب أن تخرج للعالم والتي حطمت مزاعمه بأن قادة حماس يعيشون في الفنادق.
وأكد أبو قمر لـ”قدس برس”، أن هذا الفشل في رسم صورة منافية للحقيقة خاصة فيه منافية للحقيقة اقترن بفشل الاحتلال في توقع خطوات السنوار لشن هجوم السابع من أكتوبر، والذي شكل صفعة في تاريخ الاحتلال.
وأضاف، أن الاحتلال لو استطاع كشف هوية السنوار والتأكد من أنه هو قبل تصدير مشاهد اشتباكه الأخير للعالم لنا صدرها كونها أصبحت وسام شرف يتغنى به مناصروا غزة.
وأشار الى أن الخداع الذي مارسه السنوار في بداية الحرب ومشهد استشهاده عطلت فكرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي لا تقهر، وأثبتت فشل الاحتلال وهو نا جعله يرتكب الابادة على غزة بهذه الصورة الوحشية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY