يتصاعد استهداف سلطات الاحتلال لقطاع التعليم في القدس المحتلة، في ظل خطوات متسارعة لفرض المنهاج الإسرائيلي على مزيد من الطلبة الفلسطينيين، بالتوازي مع التضييق على المدارس والكوادر التعليمية.
ويرى باحثون ومحللون أن هذه السياسات تتجاوز الجانب التعليمي، لتشكّل جزءًا من مشروع أوسع يستهدف الهوية الفلسطينية والذاكرة الوطنية للأجيال المقدسية، عبر إعادة تشكيل وعي الطلبة وفرض رواية الاحتلال داخل البيئة التعليمية.
وقال الباحث في شؤون القدس والأقصى علي إبراهيم إن قرار سلطات الاحتلال توسيع نطاق فرض المنهاج الإسرائيلي على الطلبة الفلسطينيين في القدس المحتلة يمثل “اعتداءً جديدًا على قطاع التعليم”، مشيرًا إلى أنه مع بدء العام الدراسي 2026-2027، فُرض المنهاج الإسرائيلي على أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني في الصفين الأول والسابع، ضمن المدارس التابعة لبلدية الاحتلال، بما يمثل نحو 38% من إجمالي الطلبة في شرقي القدس.
وأضاف إبراهيم في حديث لـ”قدس برس”، أن سلطات الاحتلال تسعى من خلال هذه الخطوة إلى زيادة أعداد الطلبة الخاضعين للمنهاج الإسرائيلي، لافتًا إلى أن اختيار الصفين الأول والسابع يشير إلى وجود خطة مرحلية، يُتوقع أن يتواصل تنفيذها تدريجيًا عامًا بعد آخر، وصولًا إلى فرض المنهاج الإسرائيلي على جميع الطلبة الملتحقين بالمدارس التابعة لبلدية الاحتلال.
واعتبر أن هذه السياسة تمثل “محاولة مكشوفة لطمس الهوية الفلسطينية وتزوير الرواية الوطنية”، فضلًا عن كونها اعتداءً على حق الطلبة المقدسيين في تلقي تعليم وطني يحافظ على تاريخهم ولغتهم وانتمائهم.
التضييق على المدارس والمعلمين
وأشار إبراهيم إلى أن فرض المنهاج الإسرائيلي يتزامن مع تصعيد التضييقات على المؤسسات التعليمية والكوادر العاملة فيها، موضحًا أن المدارس الخاصة والمسيحية في القدس تفاجأت برفض سلطات الاحتلال تجديد تصاريح الدخول لعشرات المعلمين والموظفين القادمين من الضفة الغربية، بصورة مفاجئة ومن دون سابق إنذار.
وبيّن أن هذه الإجراءات لا تنعكس على المعلمين والموظفين وحدهم، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في انتظام العملية التعليمية، كما تهدد مصدر رزق شريحة واسعة من الكوادر التعليمية القادمة من الضفة الغربية.
ورأى أن ما يسهل تمرير هذه المخططات هو حالة التشظي التي يعاني منها قطاع التعليم في القدس، نتيجة تعدد الجهات المشرفة وتنوع مرجعيات المدارس الفلسطينية وانقسامها، الأمر الذي تستغله سلطات الاحتلال في ظل غياب مرجعية تعليمية موحدة قادرة على حماية المؤسسات التعليمية.
وأضاف أن الاحتلال يوظف أدوات التمويل والترخيص وغيرها لتوسيع دائرة نفوذه وفرض سيطرته تدريجيًا، وصولًا إلى دفع الطلبة الفلسطينيين نحو الالتحاق بمدارس البلدية والخضوع للمنهاج والأجندة التعليمية التي تفرضها سلطات الاحتلال.
من السيطرة على المكان إلى السيطرة على الوعي
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين إن ما يجري في قطاع التعليم بالقدس المحتلة يمكن توصيفه بأنه “انتقال متعمد من سياسة السيطرة على المكان إلى سياسة السيطرة على الوعي”، معتبرًا أن جوهر هذه السياسة يتمثل في “هندسة الهوية”، عبر استهداف وعي الجيل المقدسي وقطع صلته بتاريخه وذاكرته وروايته الوطنية.
وأوضح شاهين في حديث لـ”قدس برس”، أن فرض المنهاج الإسرائيلي لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً تعليميًا منفصلًا، وإنما باعتباره أداة من أدوات “الأسرلة” وإعادة إنتاج الوعي الذي يخدم رواية الاحتلال، بحيث تتحول المدرسة من فضاء للمعرفة إلى ساحة لإعادة تعريف الفلسطيني بذاته وتاريخه وانتمائه.
وأضاف أن تزامن ذلك مع التضييق على المدارس الفلسطينية واستهداف المؤسسات التعليمية والكوادر والمعلمين وفرض القيود على البنية التعليمية يجعل أهداف هذه السياسة أكثر وضوحًا، والمتمثلة، وفق تقديره، في تفكيك منظومة التعليم الوطني الفلسطيني وإحلال منظومة معرفية تخدم رواية الاحتلال مكانها.
المعركة على الذاكرة والهوية
وأكد شاهين أن خطورة المشروع لا تتعلق بالكتاب المدرسي وحده، وإنما تمتد إلى “الذاكرة الجمعية الفلسطينية”، وإلى مسألة امتلاك الحق في تعريف التاريخ وتحديد هوية الطفل المقدسي وانتمائه.
وقال إن ما يجري يمثل محاولة “لإعادة إنتاج القدس في الوعي قبل إعادة تشكيلها على الأرض”، معتبرًا أن الأسرلة التعليمية تمثل أحد أوجه الاستعمار الإحلالي وسياسات محو الهوية وطمس الرواية الوطنية الفلسطينية.
وشدد على أن حماية التعليم الفلسطيني في القدس ليست قضية قطاعية، وإنما “قضية سيادية ووطنية وحقوقية بامتياز”، مؤكدًا أن الدفاع عن المدرسة الفلسطينية يعني الدفاع عن الوجود الفلسطيني في المدينة، وعن القدس باعتبارها مركزًا للهوية الوطنية، وعن حق الأجيال المقدسية في امتلاك روايتها التاريخية، بعيدًا عن الرواية التي تفرضها القوة القائمة بالاحتلال.
وكانت محافظة القدس الفلسطينية حذرت أمس الإثنين، من بدء إسرائيل، مع انطلاق العام الدراسي الثلاثاء، فرض المنهاج الإسرائيلي على أكثر من 45 ألف طالب فلسطيني بالصفين الأول والسابع في المدارس التابعة للبلدية الإسرائيلية بالقدس.
وفي وقت سابق الثلاثاء، أضربت العديد من المدارس الخاصة في القدس بما فيها المسيحية، عن العمل مع انطلاق العام الدراسي الجديد، احتجاجا على عدم إصدار السلطات الإسرائيلية تصاريح دخول إلى المدينة للمعلمين في هذه المدارس من سكان الضفة الغربية.
وكان المتحدث باسم محافظة القدس معروف الرفاعي قد حذر أمس من التداعيات الخطيرة لقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض المنهاج الإسرائيلي على جميع الصفوف الجديدة في شرقي القدس، وتشمل الصفين الأول والسابع، معتبرًا أن القرار يمثل تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق منذ عام 1967، واستهدافًا مباشرًا للهوية الوطنية والثقافية لأجيال القدس.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY