لا شيء يبرز على المشهد السياسي العالمي، حينما تحل الذكرى السنوية للاحتلال الصليبي لبيت المقدس (15 تموز/يوليو 1099)، سوى الأهمية الدينية والاستراتيجية للقدس، التي عبّرت عنها حملات وحروب امتدت لقرون من الزمان.
لم تتوقف محاولات الغرب الصليبي ومؤسساته للسيطرة على القدس منذ ذلك التاريخ، تقدموا أحيانا وتراجعوا أحيانا أخرى، لكن الواقع الآن هو أن تلك المدينة وقعت تحت سيطرة الحركة الصهيونية، التي تسعى إلى تهويدها تماما وإلغاء هويتها الإسلامية والمسيحية.
شهدت مدينة القدس منذ القرون الوسطى، سلسلة من الصراعات الدينية والسياسية التي أمست جزءا من تكوينها. واحدة من هذه الصراعات الشهيرة هي الغزو الصليبي في القرن الحادي عشر.
أطلق البابا أوربان الثاني، في عام 1095، مبادرة في مدينة “كليرمون” الفرنسية، حيث دعا “الفرسان الأوروبيون” للقتال في سبيل استعادة القدس من يدي المسلمين، هذه الدعوة أطلقت سلسلة من الحملات الصليبية التي استمرت عقودًا.
وصل الجيش الصليبي إلى أرض الشام، وبدأوا في الهجوم على المدن الفلسطينية، بما في ذلك القدس. وفي عام 1099، استولى الغزاة الصليبيون على مدينة القدس.
تعرضت مدينة القدس لمعاناة لا يمكن وصفها بعد الغزو الصليبي، بحسب المصادر التاريخية المحايدة. حدثت مجازر واسعة النطاق وتدمير هائل في جميع أنحاء المدينة، تم ذبح الآلاف من المسلمين وحرق المساجد، قيل إن الدماء كانت تتدفق في شوارع المدينة بشكل يشبه الأنهار، وبحسب المصادر ذاتها، فإن المسيحيين العرب في تلك المدينة لم يسلموا من محاولات التهميش والإقصاء.
إن الغزو الصليبي لمدينة القدس، الذي انتهى بمعركة “حطين” عام 1187 ميلادية بقيادة صلاح الدين الأيوبي، كان حدثًا مأساويًا في تاريخ المنطقة، لا يمكن نسيانه أو تجاهله، أو فصله عن واقع المدينة المحتلة من “إسرائيل” حاليا.
القدس في العصر الإسلامي… تعايش وتقبل للمكوّنات جميعها
يقول عضو مركز “مؤرخ” في الكويت (مؤسسة بحثية غير ربحية) أحمد ناصر الصميط، إن مشكلات أوروبا السياسية والاقتصادية في القرن الحادي عشر، إضافة إلى الرغبات الدينية في السيطرة على المراكز المسيحية في الشرق، كانت الدافع وراء انطلاق الحملات الصليبية على “بيت المقدس”.
وأضاف في حديث مع “قدس برس” إن الأوربيين الصليبيين “حاولوا فرض عقيدتهم على أهل بيت المقدس… وكانت العملية الدينية هي المداد الدعائي الذي استخدم لتجيير هذه الحملات، وإنقاذ أوروبا من أعبائها آنذاك”.
وشدد الصميط، الذي حصل على إجازة الماجستير في الحروب الصليبية، على أنه في جميع مراحل الصراع على القدس “لم تشهد سكينة واستقرار إلا في أثناء مراحل الهيمنة الإسلامية… فرض المسلمون معادلة لاحترام الديانات كلها، وتقبل كل سكان المدينة”.
وأشار إلى فتح عمر بن الخطاب للقدس عام 637 ميلادياً، والعهد العمرية التي كفل فيها للمسيحيين أمنهم وحريتهم الدينية، رافضا الصلاة في كنيسة القيامة، حتى لا يعتبر ذلك رسالة بالسيطرة الإسلامية عليها.
ولفت إلى أن “الصليبيين والاحتلال الإسرائيلي، مارسوا كل أشكال الإقصاء، والتطهير العرقي والتمييز العنصري والاضطهاد الديني”.
الغزو الصليبي والمشروع الصهيوني… تشابه وتقاطع
وعن وجه التقاطع بين الحملات الصليبية والمشروع الصهيوني، قال الباحث والمفكر الفلسطيني علي بغدادي، إن كلا المشروعين “بنيا على أسس دينية مسلحة”، ولم يغفل الإشارة إلى العداء التاريخي بين المسيحية واليهودية، الذي تقلصت مساحته في فلسطين.
وشدد بغدادي في حديث مع “قدس برس” على أن الحملات الصليبية والمشروع الصهيوني “كلاهما حركات عنصرية غير انصهارية… قدما إلى القدس من الغرب” وفق تعبيره.
وأضاف أن “كلاهما (الحملات الصليبية والمشروع الصهيوني) اعتمد على الدعم الغربي ماليا وعسكريا ودعائيا… ونشئا في فترة كان العالمان العربي والإسلامي في حالة تشرذم وتفرق”.
وأشار الباحث الفلسطيني، إلى أن “الحملات الصليبية جاءت بمباركة بابوية سياسية وعسكرية… وكذلك الهجرات اليهودية غير الشرعية إلى فلسطين كانت بتأثير من الحاخامات اليهود، وفي وجهها وضِعَت القيادات السياسية التي تدربت في الغرب الأوروبي” على حد تعبيره.
وأضاف، مستعرضا أوجه الشبه بين الغزو الصليبي للقدس وبين الاحتلال الإسرائيلي، قائلا إنها “إنه كلها حركات إرهابية اعتمدت القتل… الصليبيون ارتكبوا أشكالاً متعددة من القتل والتنكيل ضد أهالي الحواضر الفلسطينية التي اجتاحوها، وكذلك فعل الصهاينة حينما احتلوا فلسطين” على حد تعبيره.
واعتبر بغدادي، أن الغزو الصليبي للقدس، والاحتلال الصهيوني لفلسطين “أحد تجليات التنافس الحضاري بين الشرق والغرب”.
وأشار إلى أن “الدعم الغربي كان من أهم عوامل نجاح الغزو والاحتلال… أوروبا دعمت الصليبيين عسكريا وماليا وكذلك فعلت مع المشروع الصهيوني”.
وختم بالقول إن “حملات الفرنجة احتوت على بذور الإمبريالية الأوروبية، وما كان المشروع الصهيوني إلا امتدادا لذلك… في نهاية الأمر تعرض المسلمون لتسع حملات صليبية، وهزموها… وسيهزمون المشروع الصهيوني” وفق قوله.
`
Source: Quds Press International News Agency