Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

إسرائيل ترفض التموضع الدولي في الجولان: رسالة استباقية لدمشق وموسكو

في تصريح أثار موجة من التساؤلات السياسية، أعلن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، السبت الماضي، أن “إسرائيل لن تنسحب من الجولان وجبل الشيخ، ولن تسمح بنشر قوات دولية في الجنوب السوري”. هذا الموقف، الذي جاء في توقيت حساس، اعتبره مراقبون رسالة استباقية لرفض أي ترتيبات ميدانية جديدة قد تعيد رسم خارطة النفوذ في الجنوب السوري، خاصة في ظل مقترح الرئيس السوري أحمد الشرع لروسيا بإرسال قوة دولية إلى المنطقة.

الباحث والمحلل السياسي طلال مصطفى يرى أن تصريحات نتنياهو ليست جديدة، بل تكرار لمواقف سابقة منذ استيلاء إسرائيل على قمة جبل الشيخ، عقب انهيار سيطرة النظام السوري على المنطقة. ويشير إلى أن اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه نتنياهو، يبرر هذا التمسك بالمواقع الاستراتيجية بذريعة حماية “العمق الأمني” الإسرائيلي، ورصد أي تهديدات محتملة، خصوصًا بعد اتفاق فك الاشتباك عام 1974.

ويضيف مصطفى في حديث مع “قدس برس” أن التصريح لا يبدو ردًا مباشرًا على اقتراح الشرع الأخير في موسكو، بل هو تأكيد استباقي لسياسة إسرائيلية ثابتة ترفض أي ترتيبات ميدانية قد تقلّص من قدراتها العسكرية أو الاستخبارية في الجنوب السوري. فتل أبيب، بحسب تقديره، تخشى أن يؤدي أي انتشار دولي أو إعادة تموضع روسي/سوري إلى تضييق المساحة التي تستخدمها لمراقبة الحدود ومنع أي وجود عسكري معادٍ.

ويؤكد أن إسرائيل دأبت على إصدار رسائل سياسية وعسكرية دورية، تهدف إلى منع أي تغيّرات ميدانية غير مرغوبة، في سياق سلوك أمني متسق مع ممارساتها السابقة في المنطقة. ويشير إلى أن توقيت التصريح يتزامن مع زيارة الشرع لموسكو، ومحاولات القيادة السورية الجديدة لإعادة تموضع العلاقة مع روسيا، بهدف تأمين شرعية دولية لاستعادة السيطرة على الجنوب السوري.

ويتابع مصطفى أن تصريحات نتنياهو تسعى لترسيخ “أمر واقع أمني”، وتطمين الجمهور الإسرائيلي والشركاء الدوليين بأن إسرائيل لن تتخلى عن مواقع ذات قيمة استراتيجية كقمم جبل الشيخ. كما أنها تضع سقفًا تفاوضيًا واضحًا، مفاده أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تراعي “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية، ما يجعل التصريح بمثابة رسالة تحذير مزدوجة إلى موسكو ودمشق.

ويعتبر أن تعاطي روسيا مع هذا التصريح سيكون حاسمًا، خاصة أنها تتعامل مع قيادة سورية جديدة وتسعى لحفظ مصالحها العسكرية والسياسية. ويرى أن التصريح يجمع بين ترسيخ واقع ميداني واستباق تفاوضي، ويحمل رسائل متعددة المستويات: داخلية لإسرائيل، سياسية لموسكو، وتحذيرية لدمشق.

وفي ما يخص انعكاسات التصريح على الحكومة السورية الجديدة، يقول مصطفى إن الرئيس أحمد الشرع يصرّ على إعادة تموضع العلاقة مع موسكو، ويسعى لحلول تحفظ السيادة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ويرجّح أن تعالج دمشق التصريح عبر قنوات دبلوماسية، مثل طلب ضمانات روسية أو تفاهمات ثنائية حول نقاط المراقبة، بدل خيار الرد الميداني الذي قد يجرّ تصعيدًا غير محسوب.

ويضيف أن الشرع قد يطرح فكرة وجود دولي بغطاء روسي وأممي كبديل تفاوضي، لكن هذا المسار معقّد، لأن إسرائيل سترفض أي قوة ترى أنها تقوّض مراقبتها، وروسيا قد تتردد في فرض ضبط ميداني يزعج توازن مصالحها مع تل أبيب. ويشير إلى أن احتمال الرد العسكري السوري الواسع منخفض، وأن دمشق قد تلجأ إلى خطوات محدودة مثل تعزيز تمركز قواتها بعيدًا عن الخطوط الساخنة، أو إرسال رسائل سيادية منخفضة التصعيد.

ويختم مصطفى بأن دمشق ستحرص على عدم التنازل عن السيادة، لكنها ستعتمد أدوات دبلوماسية مثل موسكو والأمم المتحدة والتوافقات الإقليمية، لتفادي مواجهة مباشرة مع إسرائيل، والاحتفاظ بخيارات تفاوضية مستقبلية.

من جانبه، يرى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل أن تصريحات نتنياهو تأتي في سياق دعائي داخلي، بعد فشله في حرب الإبادة ضد قطاع غزة، ومحاولته ربط مصيره السياسي باستمرار الحرب. ويشير إلى أن الإدارة الأمريكية فرضت عليه القبول باتفاق وقف إطلاق النار، الذي رعته بالتعاون مع منظومة دول عربية وإسلامية.

ويكشف خليل في حديث مع “قدس برس” أن نتنياهو حصل على ضمانات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تتعلق بحمايته من المحاكمات داخل إسرائيل مقابل وقف الحرب، وأن إعادة تأكيد ترامب على اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان يأتي ضمن هذه المقايضة السياسية.

ويؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة منذ عام 1967، وأن القرارات الدولية، وخاصة القرارين 242 و497، تنص على بطلان الضم الإسرائيلي ووجوب الانسحاب من الأراضي المحتلة. ويشدد على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، مهما حاولت إسرائيل فرض واقع ميداني جديد.

ويشير خليل إلى أن توقيت التصريحات الإسرائيلية يتزامن مع الحديث عن طلب دمشق لانتشار الشرطة الروسية في الجنوب، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدًا لتفوقها الأمني. ويرى أن إسرائيل تحاول فرض شروط مسبقة خشية من أي ترتيبات ميدانية جديدة، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر، حيث تعيش حالة من “جنون العظمة” وتغليب الأيديولوجيا على الحسابات الاستراتيجية.

ويستعرض خليل تطور العلاقات السورية الإسرائيلية، التي مرت بمراحل تفاوض منذ اتفاق فك الاشتباك عام 1974، وصولًا إلى مفاوضات جنيف غير المباشرة. ويشير إلى أن إسرائيل بعد عام 2011 أزالت ملف الانسحاب من الجولان من طاولة المفاوضات، وانتقلت من مبدأ “الأرض مقابل السلام” إلى “السلام مقابل التموضع الاستراتيجي”، ثم إلى “السلام مقابل السلام”، كما تجسد في اتفاقات التطبيع الإبراهيمية.

ويؤكد أن دمشق لا تسعى اليوم إلى معاهدة سلام شاملة، بل إلى تفاهمات أمنية تحفظ الاستقرار وتعيد التوازن في الجنوب السوري دون التنازل عن الحقوق السيادية. ويشير إلى أن المفاوضات الجارية برعاية أمريكية تهدف أساسًا إلى إعادة ضبط المشهد الأمني في المنطقة الجنوبية، أكثر من البحث في تسوية نهائية.

ويختم خليل بالقول إن تصريحات نتنياهو تعبّر عن سياسة إسرائيلية مهووسة بالأمن وخلق واقع ميداني جديد في الجنوب السوري، بينما تراهن دمشق على روسيا لإعادة توازن القوى ومنع التصعيد. ويرى أن أي تغيير سياسي في تل أبيب قد يفتح الباب أمام تفاهمات جديدة، إذا زال نفوذ اليمين المتطرف.

ويرى مراقبون أن تصريحات نتنياهو بشأن الجولان وجبل الشيخ ليست مجرد مواقف دعائية، بل تعكس سياسة إسرائيلية ثابتة في منع أي تغيير ميداني قد يحد من تفوقها الأمني. في المقابل، تحاول دمشق بقيادة أحمد الشرع تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على السيادة وتفادي التصعيد، فيما تبقى موسكو اللاعب الأبرز في تحديد ملامح المرحلة المقبلة في الجنوب السوري.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY