Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

عائلات بدوية ترحل من “الرأس الأحمر” وأخرى تتمسك بما تبقى من مقومات الحياة

لم تعد العائلات الفلسطينية في تجمع الرأس الأحمر البدوي، جنوب شرقي طوباس في الأغوار الشمالية، تواجه صعوبة الوصول إلى المراعي فحسب، بل باتت تكافح لتأمين أبسط مقومات الحياة، من المياه إلى أعلاف المواشي.

ومع إغلاق الطرق، وتصاعد التهديدات والاعتداءات، أخذت العائلات تغادر تباعًا، تاركة وراءها مساكن اعتادت أن تؤويها، ومواشي شكّلت على مدى سنوات مصدر رزقها الأساسي.

في هذا التجمع الرعوي، لا يعني إغلاق الطريق تعطيل حركة السكان وحدها؛ فالماء الذي تحتاج إليه الأسرة، والعلف الذي يحفظ ماشيتها، والوسيلة التي تنقل بها احتياجاتها، جميعها ترتبط بإمكانية الوصول إلى المنطقة. ومع استمرار الحصار، أصبحت قدرة العائلات على البقاء مرهونة بما تبقى لديها من إمدادات، فيما تتزايد المخاوف من أن يتحول النزوح التدريجي إلى تهجير قسري لا تجد الأسر بعده سبيلًا للعودة.

يقول مدير منظمة “البيدر”، حسن مليحات، لـ”قدس برس”، إن نحو عشرين عائلة فلسطينية اضطرت مؤخرًا إلى النزوح من تجمع الرأس الأحمر البدوي، ولم يتبقَّ فيه سوى نحو عشر عائلات من أصل سبع وأربعين، بعدما غادرت غالبية العائلات إلى طمون وعاطوف وطوباس وعقابا ومناطق أخرى في الأغوار الشمالية.

وأوضح أن العائلات اضطرت إلى الرحيل تحت وطأة الحصار وإغلاق الطرق ومنع إدخال المياه والأعلاف منذ أكثر من شهر، ما جعل تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان ومواشيهم أمرًا بالغ الصعوبة.

وأشار مليحات إلى أن العائلات المتبقية تحاول الصمود رغم التراجع الحاد في مقومات الحياة، موضحًا أنه شخصيًا لا يعرف إلى متى سيتمكن من البقاء في التجمع، وأن قدرته على التحمل قد لا تتجاوز خمسة أيام أو أسبوعًا، في أفضل الأحوال، إذا استمر منع وصول المياه والأعلاف.

وبحسب مليحات، بدأت معاناة السكان تتفاقم قبل نحو خمسة أشهر، مع الشروع في شق طريق جديد في محيط التجمع، قبل أن تتواصل إجراءات إغلاق الطرق وقطع الإمدادات، وصولًا إلى نزوح عائلات خلال الأيام الأخيرة.

أما العائلات التي ما زالت في الرأس الأحمر، فتحاول التمسك بمساكنها رغم التآكل المتواصل لمقومات الحياة. ويؤكد مليحات أن قدرته على الصمود قد لا تتجاوز خمسة أيام، وربما أسبوعًا في أفضل الأحوال، إذا استمر منع وصول المياه والأعلاف.

وتكمن خطورة هذه الظروف في طبيعة الحياة التي يعتمد عليها السكان؛ فتربية الأغنام مصدر رزق رئيسي للعائلات، ولا تستطيع المواشي البقاء من دون الماء والعلف، خصوصًا أن التجمع لا تتوافر فيه آبار مياه أو مراعي تكفي احتياجاتها، ما يجعل السكان معتمدين على الإمدادات التي يجلبونها من خارجه.

طرق مغلقة وحياة تتقلص

يقول أحد سكان التجمع، رامي مساعيد، إن إغلاق الطرق حال دون إدخال الاحتياجات باستخدام الجرارات الزراعية، واضطر السكان إلى قطع مسافات سيرًا على الأقدام لنقل المياه والأغراض الأساسية. ولم تتوقف آثار الإغلاق عند المعيشة اليومية، بل امتدت إلى التعليم، إذ تعذّر على الطلبة الوصول إلى مدارسهم بسبب إغلاق الطريق الذي كانوا يسلكونه.

ويحذر مساعيد من أن استمرار هذه الإجراءات يهدد مصادر رزق العائلات التي تعتمد على تربية المواشي، وقد يدفع مزيدًا منها إلى ترك مساكنها وأراضيها إذا أصبحت عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية.

ولا ينفصل هذا الواقع عن سلسلة من الإجراءات التي تستهدف التجمع، بما فيها هدم المساكن والمنشآت ومصادرة المعدات الزراعية، في وقت تتسع فيه الأنشطة الاستيطانية في الأغوار الشمالية. ويواجه السكان بذلك ضغوطًا متداخلة، تبدأ بصعوبة الوصول إلى المراعي وتأمين الاحتياجات الأساسية، ولا تنتهي عند خطر فقدان المأوى ومصدر الدخل.

التدريبات العسكرية والهدم يهددان الاستقرار

يقول مسؤول ملف الأغوار في محافظة طوباس، معتز بشارات، لـ”قدس برس”، إن الرأس الأحمر يضم عائلات بدوية وزراعية تعتمد بصورة أساسية على تربية الأغنام والزراعة الموسمية لتأمين احتياجاتها. ويشير إلى أن المنطقة تتميز بأراضيها الزراعية والرعوية الخصبة، وتقع بالقرب من عين البيضاء وعاطوف وبلدة طمون، لكنها تواجه إجراءات إسرائيلية متواصلة تضغط على السكان وتحد من قدرتهم على الاستقرار.

ويوضح بشارات أن أجزاء واسعة من الأغوار، بينها الرأس الأحمر وعاطوف وسهل البقيعة، تقع ضمن مناطق تصنفها سلطات الاحتلال مناطق لإطلاق النار أو للتدريب العسكري، وهي تصنيفات تُستخدم لتبرير الإخلاء والهدم ومنع البناء، فيما يواجه الفلسطينيون صعوبات بالغة في الحصول على تراخيص لإقامة المنشآت.

وتشهد هذه المناطق تدريبات عسكرية دورية يستخدم خلالها جيش الاحتلال الذخيرة الحية والدبابات والمدفعية الثقيلة. ووفق بشارات، تضطر العائلات أحيانًا إلى مغادرة مساكنها لساعات أو أيام، كما يُمنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الثروة الحيوانية ومصادر دخل السكان.

ولا تقتصر الإجراءات على التدريبات العسكرية؛ إذ تتعرض الخيام السكنية وحظائر الأغنام وبركسات الأعلاف والخلايا الشمسية وشبكات المياه للهدم أو المصادرة، بذريعة البناء من دون ترخيص. كما تطاول المصادرات جرارات زراعية وصهاريج مياه وآليات يعتمد عليها الأهالي في أعمالهم اليومية، ما يفاقم أعباءهم المعيشية ويقوّض قدرتهم على الاستمرار في المنطقة.

ويرى بشارات أن تضافر هذه الإجراءات مع التوسع الاستيطاني يضع التجمعات البدوية والرعوية أمام ضغوط متواصلة، ويهدد بإفراغ مناطق من سكانها الأصليين، لا سيما في الأغوار التي تمثل مساحة مهمة للزراعة والرعي.

الأغوار في دائرة الاستهداف

وتأتي معاناة الرأس الأحمر في سياق أوسع من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، ولا سيما في المناطق الرعوية التي تعتمد فيها العائلات على الوصول المفتوح إلى الأراضي والمراعي.

وتشير معطيات التقرير الشهري للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى وجود 592 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية، بينها 192 مستوطنة و400 بؤرة، من ضمنها 231 بؤرة رعوية أُقيمت خلال السنوات الأخيرة للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي والمراعي.

وبحسب المعطيات نفسها، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة نحو 780 ألفًا حتى نهاية تموز/يوليو الماضي، بينهم نحو 333 ألفًا و600 مستوطن في مستوطنات القدس المحتلة، و446 ألفًا و400 في باقي مناطق الضفة الغربية.

وفي الرأس الأحمر، تتخذ هذه الضغوط شكلها الأكثر مباشرة في حياة السكان: طريق مغلق، ومياه لا تصل، وأعلاف يتعذر إدخالها، ومواشٍ مهددة، ومساكن يخشى أصحابها فقدانها. ومع رحيل غالبية العائلات، لم يعد السؤال متعلقًا بمدى صعوبة الحياة في التجمع وحدها، بل بقدرة ما تبقى من سكانه على البقاء فيه.

فالعائلات التي تعتمد على الرعي لا تستطيع فصل وجودها عن الأرض ومراعيها، ولا يمكنها مواصلة حياتها إذا انقطعت عنها المياه والأعلاف. وبينما تتجه عائلات إلى بلدات وقرى مجاورة بحثًا عن ظروف أقل قسوة، تتمسك عائلات أخرى بما تبقى من إمكانات، في محاولة لتجنب الرحيل عن منطقة عاشت فيها واعتمدت على مواردها زمنًا طويلًا.

وهكذا، تختصر الرأس الأحمر حكاية تجمع بدوي تتآكل مقومات حياته تحت ضغط الحصار والهدم والتدريبات العسكرية والتوسع الاستيطاني. فحين يصبح إدخال الماء والعلف مهمة شاقة، لا يعود النزوح مجرد خيار تفرضه الظروف، بل يصبح نتيجة لضغوط تمسّ أساس قدرة الإنسان على العيش في أرضه.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY