م يكن قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية مجرد إعلان سياسي عابر على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحوّل إلى مناسبة لتفريغ غضب متراكم من واقع سياسي يشعر فيه فلسطينيون بأن أصواتهم لا تصل إلى مراكز صنع القرار، وأن استحقاقًا انتخابيًا طال انتظاره يمكن أن يتوقف بقرار من القيادة، فيما يبقى المجتمع متلقيًا للنتائج دون أن يمتلك القدرة على تغييرها.
وفور إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، السبت، تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى 11 أيلول/سبتمبر 2027، تصاعد التفاعل بين ناشطين وصحفيين ومؤثرين فلسطينيين، انقسمت مواقفهم بين انتقاد القرار والتشكيك في مبرراته، وبين السخرية من تكرار الوعود الانتخابية التي تنتهي، وفق تعبيراتهم، إلى تأجيل جديد.
لكن جانبًا واسعًا من الانتقادات المتداولة تجاوز الموقف من القرار ذاته، ليركز على ما اعتبره أصحابه أزمة أعمق تتمثل في تراجع ثقة المواطنين بالقيادة والفصائل، والشعور بأن القرارات المصيرية تُتخذ بعيدًا عن الرأي العام، في وقت تتراكم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية.
الرد بالسخرية
الناشط عصام كببجي تناول القرار بسخرية، متحدثًا عن ثلاث جهات قال إنها استفادت من مرسوم الدعوة إلى الانتخابات وقرار تأجيلها: المسؤولون الذين يخشون المحاسبة، وموظفو لجنة الانتخابات المركزية، وشركة “ميتا” المالكة لمنصة فيسبوك؛ بسبب الإعلانات الممولة.
ورغم الطابع الساخر لمنشوره، فإن انتقاده للمسؤولين يعكس شكوكًا بشأن جدوى الانتخابات في ظل غياب رقابة تشريعية فاعلة، إذ رأى أن وجود مجلس تشريعي حقيقي، حتى لو كان محسوبًا على تنظيمات سياسية، أفضل من استمرار الفراغ القائم؛ لأنه يتيح حدًّا أدنى من المساءلة والاستقرار.
أما الناشط منجد جراد، فقدم قراءة سياسية للقرار، معتبرًا أن عباس أقدم على الدعوة إلى الانتخابات ضمن حسابات داخلية وإقليمية ودولية، قبل أن يتراجع عندما وجد أن حركة “فتح” تواجه الانقسام والتشتت.
وكتب جراد أن الرئيس الفلسطيني “يظن نفسه ذكيًّا وحاذقًا، ولا يهمه رأي الشعب”، واصفًا طريقة إدارة القرار بأنها ممارسة للسلطة عبر مراسيم منفردة، ومشككًا في شرعية استمرار هذا النهج.
وتتقاطع هذه الانتقادات مع مواقف أخرى ترى أن الأزمة لا تتعلق بموعد الاقتراع وحده، بل بقدرة النظام السياسي على تجديد شرعيته من خلال انتخابات دورية تتيح للمواطنين محاسبة ممثليهم واختيار بدائل لهم.
خيبة الأمل
الصحفي أحمد شديد دعا، في منشور له، إلى مخاطبة الفلسطينيين بوضوح واحترام عقولهم عند شرح أسباب التأجيل، معتبرًا أن الجمهور يدرك واقع الفصائل وموازين القوى، ولا يحتاج إلى تبريرات لا تقنعه.
وانتقد شديد تحميل الفصائل مسؤولية القرار أو تقديمها بوصفها صاحبة الكلمة الحاسمة، داعيًا إلى تسمية الجهات التي اتخذت القرار مباشرة، ومشيرًا إلى أن بعض الفصائل، بحسب تقديره، لم تعد تمتلك قواعدها الجماهيرية السابقة.
أما الأكاديمي ماهر أبو كشك، فعبّر عن تشاؤمه إزاء إمكانية إجراء الانتخابات في الموعد الجديد، ساخرًا من استمرار الحديث عن الاستحقاق الانتخابي والحوار الفصائلي، في ظل تجارب سابقة لم تفضِ إلى إجراء الانتخابات.
وكتب أن موعد أيلول/سبتمبر 2027 قد يمر من دون انتخابات أيضًا، في تعبير عن فقدان الثقة بإمكانية الالتزام بالمواعيد المعلنة.
ومن جهتها، رأت الناشطة نور أبو عيشة أن إرادة الفلسطينيين باتت رهينة تفاهمات الفصائل، معتبرة أن الاتفاق على التأجيل، رغم الخلافات المزمنة بينها، يكشف قدرتها على التوافق عندما يتعلق الأمر بقرار يخص مستقبل العملية السياسية.
وكتبت أن الشعب “ضاع بين الرجلين”، في إشارة إلى شعورها بأن المواطنين يدفعون ثمن الصراعات والحسابات التنظيمية، دون أن يكون لهم دور حاسم في تقرير مستقبلهم السياسي.
الانقسام الفتحاوي
الصحفية ريم العمري سخرت من التعامل مع التأجيل باعتباره مفاجأة، مستذكرة جولات الحوار والمصالحة التي جرت برعاية أطراف عربية ودولية، دون أن تنجح في الوصول إلى انتخابات تنهي الانقسام.
وقالت إن المواطن الفلسطيني يواجه أزماته اليومية ويحاول تأمين احتياجاته، فيما لا يجد نفسه حاضرًا في حسابات أصحاب القرار، معتبرة أن غياب المشاركة الشعبية بات سمة متكررة في إدارة الشأن العام.
بدوره، شكك الناشط ضياء الأحمد في المبررات المعلنة للتأجيل، معتبرًا أن التحضيرات والتحالفات السياسية التي سبقت القرار لا تنسجم، من وجهة نظره، مع تفسيره بالعراقيل وحدها.
وربط الأحمد القرار بأزمة حركة “فتح” الداخلية، مشيرًا إلى تعدد التيارات والقوائم المحسوبة عليها، بينها القائمة الرئيسية، وتيار محمد دحلان، ومؤيدو مروان البرغوثي، ومجموعات أخرى اتجهت إلى قوائم مستقلة.
كما طرح احتمال أن تكون المخاوف من نتائج الانتخابات وتداعياتها السياسية والأمنية أحد العوامل المؤثرة في حسابات القيادة، لكنه قدم ذلك بوصفه قراءة سياسية، لا معلومة مثبتة.
أزمة تتجاوز صندوق الاقتراع
وبين السخرية والغضب والتشكيك، تكشف المنشورات المتداولة عن أزمة ثقة تتجاوز الخلاف على تأجيل الانتخابات إلى سؤال أوسع: ما موقع المواطن في النظام السياسي الفلسطيني، وما الأدوات المتاحة له للتأثير في القرارات التي تحدد مستقبله؟
وبينما تقول القيادة إن إجراء انتخابات شاملة يتطلب توافر شروطها في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس، يرى منتقدون أن تكرار التأجيل يفاقم الشعور بالعجز، ويضعف الاعتقاد بإمكانية التغيير عبر الوسائل الديمقراطية.
ولا تكفي منشورات التواصل الاجتماعي وحدها لقياس اتجاهات المجتمع الفلسطيني بأكمله، لكنها تقدم مؤشرًا على حجم الاعتراض لدى أصوات ناشطة وصحفية، وعلى انتقال النقاش من موعد الانتخابات إلى شرعية القرار وآليات المحاسبة والتمثيل.
وفي المحصلة، لم يعد السؤال الذي تطرحه هذه الأصوات مقتصرًا على موعد الانتخابات المقبلة، بل بات يتعلق بما إذا كان الفلسطينيون سيبقون شهودًا على قرارات تُتخذ باسمهم، أم سيتمكنون من استعادة دورهم في اختيار ممثليهم ومحاسبة قياداتهم. فالتأجيل قد يوقف مسارًا انتخابيًا، لكنه لا ينهي أزمة الثقة التي جعلت القرار نفسه مناسبة لتجدد الغضب والشكوك.
يذكر أن رئيس السلطة محمود عباس أصدر أمس مرسوماً رئاسياً جديداً ألغى بموجبه الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 نوفمبر/ تشرين ثاني 2026، وقرر تأجيلها ليتم إجراؤها بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية في 11 سبتمبر 2027.
وبررت مصادر إعلامية للسلطة القرار استنادا إلى مشاورات وطنية مع الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، أسفرت عن توافق وطني بشأن المعوقات التي تحول دون إجراء الانتخابات في موعدها السابق، وضرورة تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية المناسبة لانتخابات حرة ونزيهة وشاملة.
ويهدف القرار أيضا إلى إتاحة الفرصة لحوار وطني فلسطيني شامل يعزز الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والنظام السياسي، ويعالج التحديات التي تواجه العملية الانتخابية، بما يضمن مشاركة جميع أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وغزة وصون حقوقهم السياسية والدستورية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY