Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

بين الحصار وتقليص الإغاثة.. التجويع يضيّق الخناق على غزة

لم يعد الجوع في قطاع غزة مجرد أزمة إنسانية تتفاقم تحت وطأة الحرب والحصار، بل بات تهديدًا مباشرًا لقدرة مئات الآلاف من الفلسطينيين على البقاء، في ظل تراجع المساعدات وتقلص الخيارات المتاحة أمام العائلات لتأمين قوت يومها.

ويأتي وقف برنامج الأغذية العالمي مساعداته عن نحو نصف مليون فلسطيني، وفق المعطيات الواردة، ليضيف فصلًا جديدًا إلى معاناة سكان أنهكتهم الحرب، وأثقلهم النزوح، واستنزفت قدرتهم على مواجهة أبسط متطلبات الحياة.

فبالنسبة إلى عائلات تعيش على المساعدات لتوفير الحد الأدنى من الغذاء، لا يمثل توقف الدعم مجرد تغيير في آليات الاستجابة الإنسانية، بل تهديدًا مباشرًا لأمنها الغذائي، وخصوصًا الأسر التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها، ولم تعد تملك بدائل قادرة على سد الفجوة التي يتركها غياب المساعدات.

ويحمل قرار الغذاء العالمي تداعيات تتجاوز الأرقام المعلنة، إذ يضع مئات الآلاف أمام أسئلة يومية قاسية: من أين سيأتي الطعام؟ وكيف ستتمكن الأسر التي تعيش في خيام النزوح من توفير احتياجات أطفالها؟ وماذا ينتظر المرضى وكبار السن والنساء الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة؟.

في غزة، حيث تآكلت مصادر الدخل بفعل الدمار الواسع، وتعطلت قطاعات اقتصادية عديدة، وأصبحت القدرة الشرائية لدى كثير من العائلات شبه معدومة، لا تستطيع الأسر المتضررة ببساطة تعويض المساعدات المفقودة من الأسواق فالحصول على الغذاء يفترض وجود المال وتوافر السلع وإمكانية الوصول إليها، وهي شروط لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى شرائح واسعة من السكان.

وتزداد خطورة القرار على الأطفال الذين يحتاجون إلى غذاء منتظم لدعم نموهم، وعلى المرضى الذين تتطلب أوضاعهم الصحية تغذية مناسبة، وعلى العائلات التي تعيش أصلًا على وجبات محدودة لا تكفي احتياجات أفرادها اليومية.

الثوابتة: وقف المساعدات يسرّع المجاعة

وحذر مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إسماعيل الثوابتة، من أن “وقف مساعدات برنامج الأغذية العالمي (WFP) عن نصف مليون شخص بسبب نقص التمويل يُسرّع وتيرة المجاعة ويُعمّق معاناة الفئات الهشة (الأطفال، النساء، المرضى، كبار السن)”.

ورفض الثوابتة في حديثه لـ”قدس برس”، تبرير تخلي أي منظمة أممية عن دورها الإنساني بحجة “نقص التمويل”، في مقابل التقاعس الدولي المستمر عن إنقاذ الأرواح.

وحمّل “الاحتلال الإسرائيلي والدول الداعمة للإبادة والمجتمع الدولي بأكمله المسؤولية الكاملة عن التداعيات الخطيرة لاستخدام الغذاء كسلاح ضد المدنيين”.

واستنكر “عجز العالم عن توفير تمويل زهيد لإنقاذ الأرواح، مقابل تسخير المليارات لتسليح الاحتلال”، محملا الاحتلال “الإسرائيلي” المسؤولية الكاملة عن التداعيات، وجريمة التجويع، واستخدام الغذاء كعقاب جماعي.

ودعا الثوابتة برنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة إلى “التراجع الفوري عن القرار، وتأمين التمويل اللازم، وممارسة الضغط الجاد لفتح المعابر”.

وطالب الثوابتة المجتمع الدولي بـ”الضغط على الاحتلال لفتح كافة المعابر وتأمين دخول المساعدات بلا قيود لتسهيل عمل المؤسسات الإغاثية”.

ودعا الدول العربية والإسلامية والعالم لـ”التدخل الفوري عبر تسيير جسور برية وبحرية، وتقديم الدعم المالي لإدخال آلاف شاحنات الإغاثة لإنقاذ غزة من المجاعة”.

أبو زعيتر: تقليص الإغاثة يهدد التماسك الاجتماعي

من جهته، أكد نقيب الاخصائيين الاجتماعيين سلامة أبو زعيتر أن “تقليص الغذاء العالمي مساعداته الغذائية والنقدية لنحو نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة يمثل ضربة قاسية للبنية الاجتماعية والإنسانية في قطاع غزة لاسيما أنه يأتي في توقيت بالغ الحرج يتزامن مع التداعيات الثقيلة لحرب الابادة”.

وقال أبو زعيتر في حديثه لـ”قدس برس”، إن “هذا التقليص ينعكس بصورة مباشرة على النسيج المجتمعي، والأمان والاستقرار الاجتماعي في المجتمع المشتت بالنزوح والمدمرة بيوته، حيث يضعف شبكات الأمان الاجتماعي والتكافل الأهلي التي اعتمد عليها الغزيون في ظل الفقر وقلة الحيلة على طوال سنوات الأزمة”.

وأضاف أن “قطع المساعدات لمئات آلاف الأسر من مرحلة الاعتماد على الإغاثة والمساعدات والتكيات إلى العدم المطلق، يلقي بعبء هائل على العائلات معدومة الدخل مما يؤدي إلى تصدع الروابط الأسرية وزيادة التوترات الحادة داخل الخيام ومراكز الإيواء”.

وتابع، إن “تداعيات التقليص تضاعف معاناة الفئات الأكثر ضعفاً كالنساء والأطفال وكبار السن، حيث تضطر الأسر إلى اتباع استراتيجيات قاسية كتقليل الوجبات، مما يرفع من معدلات سوء التغذية الحاد ويكرس تراجع الصحة العامة في ظل منظومة صحية منهكة”.

وأشار الى أن “غياب الحد الأدنى من الأمن الغذائي يهدد السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي، إذ يخلق بيئة من اليأس تدفع نحو العنف وسلوكيات اضطرارية لتأمين القوت، بينما تعجز المبادرات المحلية والمطابخ المجتمعية عن سد هذه الفجوة بسبب نقص التمويل والمواد الأساسية”.

وأوضح أن “هذا التراجع في الدعم الدولي لا يمثل مجرد نقص في الحصص الغذائية، بل يمتد ليعيد إنتاج أزمة إنسانية عميقة تسببت فيه الحرب واستمر لتمس الكرامة الإنسانية وتزيد من هشاشة المجتمع أمام تداعيات الحرب المستمرة”.

وبين أن “الاحتلال المؤسسات الدولية بعجزها تتحمل المسؤولية الكاملة والمباشرة عن التداعيات الكارثية الناجمة عن سياسة التقليص الغذائي وتفاقم حدة الحاجة وقلة المصادر الغذاية، في ظل استمرار الحرب الممنهجة والحصار الخانق والارتفاع المهول في معدلات الفقر والبطالة والاسعار في الاسواق واستغلال تجار الدمار”، مشددا أن “هذا النقص الحاد لم يعد مجرد أزمة إغاثية عابرة، بل اصبح تهديداً وجودياً يضرب عمق النسيج الاجتماعي، ويُفشيل مقومات الصمود ويضعف الجبه الداخلية للمجتمع، ويُفضي إلى اضطرابات نفسية واجتماعية حادة”.

وترتكب “إسرائيل” منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا ومرضا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.

وخلفت الإبادة أكثر من 249 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY